كلما ارتقى الإنسان في مقامه، ازداد السؤال أهمية:
هل ما عندي لي وحدي، أم أن الله أعطانيه لأكون طريقًا يصل به الخير إلى غيري؟
فبعض الناس، حين يُفتح له باب، يريد أن يغلقه خلفه.
وحين يُمنح مكانة، يريد أن ينفرد بها.
وحين يختاره الله لمهمة، قد يظن أن الاختيار يعني أن يكون هو وحده في الواجهة.
لكن القرآن يعلّمنا معنى آخر للرفعة:
أن يكون اختيار الله لك سببًا في إشراك غيرك في الخير، لا الاستئثار به.
تأملوا موسى عليه السلام.
اختاره الله، وكلّمه، وأرسله إلى فرعون، وكان أمام مهمة لا تحتمل ضعفًا ولا ترددًا.
ومع ذلك، لم يطلب القوة لنفسه وحده، ولم يقل: يا رب قوّني لأواجه فرعون.
بل قال:﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
ما أجمل أن يصدر هذا الطلب من إنسان اختاره الله!
لم تمنعه مكانته من أن يرى فضل أخيه.
ولم يجعله اصطفاؤه يعتقد أن المهمة يجب أن تبقى له وحده.
بل طلب لهارون مكانًا في الأمانة، وشراكة في العمل، ونصيبًا من الخير.
هذا هو الإيثار في أحد أرقى صوره: أن تفتح لغيرك بابًا كان يمكن أن يكون لك وحدك.
ولذلك قال الله عن الأنصار:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
لم يكن إيثارهم لأنهم يملكون فائضًا لا يحتاجون إليه،
بل لأن القلب حين يتسع للآخر، يستطيع أن يعطيه حتى في وقت حاجته.
والإيثار لا يكون بالمال وحده.
قد تؤثر غيرك بعلمك، فتعلّمه بدل أن تحتفظ بالمعرفة لتبقى أنت المتقدم.
وقد تؤثره بفرصة، فتترك له مكانًا كان يمكن أن تستأثر به.
وقد تؤثره بالفضل، فتنسب النجاح إلى الفريق بدل أن تجمعه كله لنفسك.
وقد تؤثره بالمنبر، فتدع غيرك يتكلم حين يكون صوته أنفع.
وقد تؤثره حتى بالمغفرة، حين تكون قادرًا على رد الأذى، ثم تختار ألا تجعل قدرتك وسيلة للانتقام.
وهنا يصبح الإيثار أكثر من مجرد خُلُق جميل.
إنه امتحان لعلاقتنا بما أعطانا الله.
هل نرى النعمة ملكًا لنا؟
أم نراها أمانة يمكن أن يمرّ الخير من خلالها إلى الآخرين؟
فالعلم الذي لا يورث نفعًا قد يتحول إلى غرور.
والمكانة التي لا تتسع للآخرين قد تتحول إلى استعلاء.
والقدرة التي لا تُستخدم إلا للنفس قد تصبح عبئًا على صاحبها.
أما الإنسان الذي فهم معنى العطاء، فيقول، كما قال موسى عليه السلام:﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
وكأن الرسالة:ليس أعظم ما في أن يختارك الله لشيء،
بل أعظم ما في اختيار الله لك أن تعرف كيف تجعل هذا الخير يتجاوزك إلى غيرك.
فقد تكون النعمة التي في يدك ليست لتحتفظ بها،
بل لتكون جسرًا يعبر عليه غيرك.
