عندما يستودع الله الأرضَ ثرواتٍ، فلا يستودعها عبثًا، وإنما يجعل فيها من أسباب الرزق ما تقوم به حياة أهلها، وما يسهم في بناء جماعتهم وتقوية دولتهم وحماية مصالحهم واستقلال قرارهم.

لذلك فالثروة ليست مجرد موردٍ اقتصادي؛ إنها قدرةٌ وأمانةٌ ومسؤولية. وظيفتها أن تحفظ كرامة أهل الأرض، وتؤمّن حاجاتهم، وتبني قوة الدولة وقدرتها على حماية وجودها ومصالحها.

ومن هنا نفهم الأمن القومي بمعناه الأوسع. فهو لا يقوم على السلاح وحده، بل على امتلاك مقومات البقاء: الأرض، والغذاء، والطاقة، والمياه، والاقتصاد، والموارد، والأهم من ذلك كله القرار المستقل.

لكن الأمن القومي لا يعني أن تنكفئ الدولة داخل حدودها.

فالدولة القوية لا تحمي مصالحها داخل حدودها فقط؛ لأن مصالحها لا تتوقف عند حدودها. وكلما امتلكت الدولة مقومات القوة، امتلكت قدرة أكبر على العمل خارج حدودها: في حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وبناء علاقاتها، وتأمين مواردها، والمساهمة في تنمية محيطها، والدفاع عن القضايا والمصالح التي تتصل بأمنها ومستقبلها.

وهنا تتحول الثروة من مجرد وسيلةٍ للعيش إلى رافعةٍ لقوة الدولة وحضورها؛ فتستطيع الدولة أن تحمي مصالحها حيثما امتدت، وأن توظف قوتها في خدمة المصلحة الأوسع، أي مصلحة الأمة.

ولهذا كان ينبغي أن تبقى أيدي الأعداء بعيدةً عن هذه المنظومة.

فمن يضع يده على ثروات أرضٍ لا ينظر إليها بالضرورة بعين أهلها؛ قد يراها مصدرًا للقوة والنفوذ، ووسيلةً لحماية مصالحه، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح الدولة وأمنها وسيادتها وأهلها وأمتها.

وهنا تنقلب المعادلة:

ما كان يفترض أن يكون مصدر قوةٍ للدولة قد يصبح مدخلًا للتدخل فيها، وما كان يفترض أن يؤمّن مستقبل أهل الأرض قد يتحول إلى سببٍ لاستهدافهم، واستهداف الأمة التي تنتمي إليها هذه الأرض.

لذلك لا يكفي أن نسأل: كم نملك من الثروات؟

بل يجب أن نسأل: من يملك قرارها؟ ومن يحميها؟ ولمن تتحول قوتها؟

فالثروة التي لا تحميها السيادة قد تصبح ثغرةً في السيادة، والثروة التي لا تُوظَّف لخدمة أهلها ودولتهم وأمتهم قد تتحول من نعمةٍ إلى مطمع.

وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تكون الأرض فقيرة، بل أن تكون غنيةً وأهلها ضعفاء؛ عندها قد تصبح الثروة نفسها وبالًا على أصحابها ومنبعًا لخطرهم.