وأنا أراقب غربة الحق في هذه الحياة، أتألّم. أتألّم لأن الحق ليس غامضًا حتى نختلف في معرفته بل هو واضح، وعادل، ورحيم وصحيح ومع ذلك يُترك وحيدًا.
ولعل المشكلة ليست في معرفة الحق، بل في كلفته. فالحق قد يطلب منك أن تتراجع عن مصلحة، وأن تعترف بخطئك، وأن تنصف من لا تحب، وأن تقف مع المظلوم ولو كان خصمك، وأن تقول كلمة لا ترضي جماعتك.ولهذا يقول الله تعالى:﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
فالحق لا يسمح لمشاعرك أن تكون ميزانًا له؛ لا كراهية الخصم تبرر ظلمه، ولا محبتك لمن تنتمي إليهم تبرر الانحياز إليهم.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي:
فالناس قد يحبون الحق ما دام لا يكلّفهم شيئًا، لكن حين يصبح للحق ثمن، يظهر من يحتمله ومن يتخلى عنه.
لذلك لا تجعل الكثرة ميزانًا للحقيقة. فالله قال﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
فغربة الحق ليست دليلًا على ضعفه، كما أن كثرة الباطل ليست دليلًا على قوته.
وأخطر ما يحدث للإنسان أن يرى الحق وحيدًا، فيستوحش وحدته، ثم يتركه بحثًا عن الجماعة.
فلا تسأل: كم نحن؟بل اسأل: هل نحن على الحق؟
فنحن لم نُكلّف أن نكون مع الأكثرية، وإنما أن نقيم القسط:﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
وإذا كان لا بد أن نكون قليلين في طريق نعرف أنه حق، فليكن عزاؤنا أن الحق لا يستمد قيمته من كثرة الواقفين معه.فالحق حقّ، لا بكثرة أهله، وإنما لأن الله هو الحق.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾.