في زمنٍ أصبح فيه كل شيء قابلًا للعرض، تحوّل الإنسان، من حيث لا يشعر، إلى غلافٍ يبحث عن الإعجاب أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
صرنا نعيش في مجتمعٍ يبالغ في تقديس الصورة، حتى كاد يقنعنا بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يظهر منه، لا بما يختزنه في داخله. وتكيّفنا مع هذا الواقع شيئًا فشيئًا، حتى أصبح طبيعيًا أن يُنفق على تحسين المظهر أضعاف ما يُنفق على تهذيب النفس، وتنمية الفكر، وتزكية الأخلاق.
لكن الطبيعة تهمس لنا بحقيقةٍ مختلفة.
فالقشرة لم تُخلق يومًا لتكون هي المقصودة، بل لتكون حارسًا للجوهر. فقشرة البيضة تحمي الحياة ثم تُكسر، وقشرة الثمرة تحفظ لبّها حتى ينضج ثم تُرمى، وقشرة البذرة تنشق عندما يحين موعد النمو، وحتى الصدفة التي تحتضن اللؤلؤة لا يبحث الناس عنها لذاتها، بل لما تخفيه في داخلها.
وهكذا ينبغي أن نفهم المظهر؛ نعمةٌ من الله تستحق العناية والشكر، لكنه ليس القيمة الحقيقية للإنسان.
ولعل المرأة كانت أكثر من دفع ثمن هذا الخلل؛ فقد أصبحت تُحاصَر يوميًا برسائل توحي إليها بأن جمالها هو رأس مالها، وأن قيمتها تكمن في شبابها، وبشرتها، ومقاس جسدها، وما ترتديه، وعدد الإعجابات التي تحصدها، حتى كادت تنسى أن أجمل ما فيها قد لا يظهر في المرآة أصلًا.
إن ابتسامتها الصادقة، وعقلها، وحياءها، ورحمتها، وثباتها عند الشدائد، وصدقها، وقدرتها على أن تكون مصدرًا للأمان والحنان… كلها ألوانٌ من الجمال لا تلتقطها الكاميرات، لكنها تبقى حين يذبل كل جمالٍ خارجي.
ولا يعني هذا التقليل من شأن الجمال الظاهر، فالله جميل يحب الجمال، والإسلام دعا إلى حسن الهيئة والتزين المشروع. لكن الخلل يبدأ عندما يصبح المظهر هو معيار القيمة، ويغيب الإنسان خلف صورته. وقد أعاد القرآن ترتيب الموازين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ليؤكد أن قيمة الإنسان فيما يحمله من إيمانٍ وخلق، لا فيما يلبسه أو يعرضه.
فالقشور خُلقت لتحمي الجواهر، لا لتحل محلها. وحين ينشغل الناس بالقشرة وينسون الجوهر، يبهت الإنسان وإن بدا جميلًا، لأن الجمال الحقيقي هو ما يبقى بعد أن يزول كل ما هو خارجي.

