«ما رأيتُ أحدًا تكبّر على مَن دونه، إلّا ابتلاه الله بالذلّة لِمَن فوقه.»
تُروى هذه الحكمة عن الإمام ابن حبان.
ولكي نفهمها، ربما علينا أن نتوقف عند كلمة واحدة تختبئ خلفها: القوة.
فالمتكبر، حين يتكبر على من دونه، لا يفعل ذلك لمجرد أنه يراه مختلفًا عنه، بل لأنه يرى نفسه أقوى منه: في المال، أو العلم، أو المنصب، أو السلطة، أو النفوذ، أو حتى القدرة على إلحاق الأذى.
أي أن المعيار الذي يحكم علاقته بالآخر هو: من الأقوى؟
فإذا كان هو الأقوى، استعلى.وإذا ظهر من هو أقوى منه، خضع.ومن هنا نفهم الحكمة.
فالإنسان الذي يجعل القوة معيارًا لقيمة الآخرين، لا يستطيع أن يطالب لنفسه بمبدأ مختلف حين تتغير موازين القوة.
إذا كان الأقوى عنده أحق بالاحترام، سيخضع لمن فوقه.
وإذا كان الأضعف عنده أقل استحقاقًا للكرامة، فسوف يرى من دونه بالطريقة نفسها.
وبذلك يصبح أسيرًا للقاعدة التي وضعها بنفسه:
الأقوى يُطاع ويُهاب، والأضعف يُستعلى عليه.
ولهذا قد ترى شخصًا شديد القسوة مع من لا يملك عليه سلطة، شديد اللين أمام من يملكها.
ليس لأنه متواضع في الحالة الثانية، وإنما لأن معياره واحد: القوة.
ومن هنا تصبح «الذلة لمن فوقه» مفهومة في سياق الحكمة؛ فهو حين جعل القوة أساس العلاقة، وجد نفسه في موقع الأضعف أمام من هو أقوى منه.
أما من لا يجعل القوة معيارًا لقيمة الإنسان، فلا تتبدل أخلاقه بتبدل المواقع.
يحترم من هو دونه كما يحترم من هو فوقه؛ لأن الكرامة عنده ليست امتيازًا تمنحه القوة، ولا شيئًا ينتزعه الأقوى من الأضعف.
فالحكمة في جوهرها ليست عن تغيّر الأشخاص، بل عن تغيّر مواقع القوة.
ومن جعل القوة معيارًا للعلاقة بالناس،سيكون قويًا على من دونه،وخاضعًا لمن فوقه.
أما من جعل الإنسان هو المعيار،فلا يتغير احترامه للناس بتغير موازين القوة.

