كم مرة كنا مقتنعين بشيء، وعرفنا أنه الحق، وقلنا في داخلنا: سأفعله ثم لم نفعل؟
وكم مرة عرفنا أن علينا أن نعتذر، أو نتوب، أو نترك أمرًا يؤذينا، أو نبدأ أمرًا نؤمن به، لكن شيئًا في داخلنا كان يثقل الخطوة؟

نعرف ولا نفعل.نقتنع ولا نتحرك.نريد ثم نعجز عن الإرادة التي ظننا أنها بأيدينا.
لماذا؟هنا يبدأ سؤال القلب.
نحن نقول: قلبي ملكي.
والقرآن يلفت نظرنا إلى أن الأمر أعمق من ذلك:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24].
لكن هل يعني ذلك أن القلب منفصل عن أعمالنا؟لا.
فالقرآن يكشف لنا أن لأعمالنا أثرًا في القلب، وأن ما نفعله لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الفعل.
قال تعالى:﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
تأملوا:﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
فالفعل يترك أثرًا.والأثر يتراكم.وما نكرره قد يتحول مع الوقت إلى حال في القلب.
ولهذا قال تعالى:﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: 13].
وقال:﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ [البقرة: 74].
وفي موضع آخر:﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5].
تأملوا الترتيب:﴿زَاغُوا﴾ ﴿فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
وهنا نفهم الحديث الآخر:

«إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها، حتى تعلو قلبه».
ثم تلا النبي ﷺ:
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

فقد يبدأ الأمر باختيار.ثم يتكرر الاختيار.ثم يترك الاختيار أثره.ثم يصبح الأثر حالًا في القلب.

ولهذا قال رسول الله ﷺ:«يا مُقَلِّبَ القلوب والابصار، ثبِّت قلبي على دينك».
فالنبي ﷺ، وهو رسول الله، يعلّمنا ألا نأمن على قلوبنا.
إذن القلب ليس ثابتًا.نحن نؤثر فيه بأعمالنا.كل اختيار يترك أثرًا.
كل استجابة للحق تفتح في القلب بابًا.
وكل إصرار على الباطل قد يضع عليه حجابًا.

ولهذا قد يصل الإنسان يومًا إلى أن يسأل نفسه:
لماذا لم أعد أرى الحق كما كنت أراه؟
ولعل السؤال الأصدق أحيانًا ليس:لماذا تغيّر الحق في عيني؟بل:ماذا فعلتُ بقلبي حتى تغيّرت عيني؟
وهنا تصبح آية:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾أعمق.
فالله يذكّرنا بأن القلب الذي نظنه ملكًا لنا ليس مستقلًا عنه، وأننا لا نملك ضمان بقائه على حال واحدة.
نحن نختار.ونحن نعمل.ونحن نكرر.
لكننا لا نملك أن نضمن ما سيصنعه تكرارنا في قلوبنا.

ولهذا لا ينبغي أن نفهم الأمر على أنه سلب لإرادة الإنسان.
بل العكس:
أنت مسؤول عن الخطوة التي تستطيع أن تخطوها، وعن العمل الذي تختاره، وعن الباب الذي تطرقه.
أما أن يثبت القلب، وأن يزداد هدى، وأن يفتح الله لك من أبواب البصيرة ما لم تكن تراه، فذلك من فضل الله.

قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
وقال عن أصحاب الكهف:
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13].
آمنوافزادهم الله هدى.
وقاموا:﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾ [الكهف: 14].

لم يقل: انتظروا حتى تضمنوا الثبات.بل قاموا، فجاءهم التثبيت.
آمنوا، فجاءتهم الزيادة.جاهدوا، فجاءتهم الهداية.

وهنا نفهم مسؤوليتنا.
لسنا مطالبين بأن نضمن قلوبنا.نحن مطالبون بأن نحسن التعامل معها.أن لا نطعمها ما يقسيها.أن لا نكرر ما يطفئ نورها.أن نستجيب حين يتبين لنا الحق.

وأن نسأل الله، كلما خفنا على قلوبنا:﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8].

فلا تؤجل.لا تؤجل توبة تعرف أنك تحتاجها.ولا اعتذارًا تعرف أنه حق.ولا خطوة في طريق الخير تعرف أنك قادر عليها.ولا استجابة لدعوة تحيي قلبك.لأن ما تفعله اليوم لا يصنع فعلك اليوم فقط.قد يصنع القلب الذي ستواجه به الغد.
وأنت لا تملك قلبك ملكًا مطلقًا لكنّك مسؤول عمّا تضع فيه.