يقول الله تعالى:
﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾[النور: 26]
فالله لا يدعونا فقط إلى أن نطلب الطيب، بل إلى أن نكون من أهله.

فالطيب ليس مظهرًا نحرص على إظهاره أمام الناس، ولا كلماتٍ جميلةً نتقن قولها في السراء واليسر؛ وإنما هو بناءٌ داخلي يتسلّل أثره إلى الخارج، حتى يصبح سلوكًا لا يحتاج إلى شرح، ويظهر بصورة أوضح في اللحظات الحرجة.
فمن طاب أصله، طاب فعله.

يظهر طيب الأصل في الغضب، حين يتعطّل العقل، وتشتدّ النفس، وتصبح الكلمة قادرةً على أن تجرح؛ فهناك يظهر ما في القلب.
ويظهر في الاختلاف، حين لا نحول الخلاف إلى خصومة، ولا الخصومة إلى عداوة.
ويظهر في الخصومة، حين لا نفجر، ولا نستحلّ الكذب والتشهير والظلم لمجرد أننا نريد الانتصار.
ويظهر في القوة، حين لا تجعلنا القدرة على الآخرين نتجاوز حدود الرحمة والعدل.
ويظهر في المال، حين لا نبيع ضميرنا من أجل منفعة، ولا نرى ما في أيدينا حقًا خالصًا لنا، فننسى حق الله وحق الناس.
ويظهر في التعامل مع الضعيف، حين لا نستقوي عليه لأنه لا يستطيع أن يردّ لنا الأذى.
ويظهر في القدرة على الانتقام، حين نملك الردّ، ثم نختار أن نكون أعدل مما يستحقه غضبنا.

فالإنسان قد يستطيع أن يختار صورته أمام الناس، لكنه لا يستطيع طويلًا أن يخفي أصله؛ لأن الأصل غلّاب، ويظهر حين تتغيّر الظروف، وحين لا يعود الإنسان مضطرًا إلى التجمّل.

لذلك، قبل أن نبحث عن الطيبين، فلنتأكد أننا نعمل على أن نكون منهم.
فالطيب ليس شيئًا نبحث عنه في الآخرين فقط، بل شيئًا نبنيه في أنفسنا؛ في نياتنا، وفي أخلاقنا، وفي اختياراتنا، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع الناس حين لا تكون لنا حاجةٌ إليهم.

وقد لا نستطيع أن نختار كل من يدخل حياتنا، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي نُبقيه في قلوبنا، وما الذي نُخرجه من أفعالنا.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: أين الطيبون؟
بل: هل فينا من الطيب ما يجعلنا من أهل الطيبات؟

فالطيبون للطيبات؛ فلنطلب الطيب، ولنكن من أهله.