قد يعيش الإنسان سنواتٍ يصنع فيها من الخير رصيدًا كبيرًا، ثم يخطئ مرة واحدة، فإذا بالناس ينسون رصيده كله، ويضعونه في خانة الخطأ الذي ارتكبه.
كأن الإنسان عندهم هو آخر ما فعل، لا مجموع ما كان.

لكن الله لا ينظر إلينا بهذه القسوة.يقول سبحانه:﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾.
والتواب ليس من لم يخطئ، بل من أخطأ ثم عاد، ثم أخطأ فعاد؛ فالتوبة ليست عودةً واحدة بالضرورة، بل قد تكون طريقًا طويلًا من السقوط والقيام.

وهنا ربما علينا أن نتفكر أكثر في الخطأ.
فالإنسان لم يُخلق من حديد حتى نطالبه بالصلابة المطلقة، ولا من مادة لا تتبدل.خُلق من طين؛ والطين قابل للتشكّل، ونحن كائنات نتعلم.
والخطأ، وإن كان مؤلمًا، قد يكون واحدًا من أعمق طرق المعرفة.
فالعلم يقول لك: ما الصواب؟
أما الخطأ فيريك أحيانًا: لماذا كان الصواب صوابًا؟
وهكذا قد يفعل الخطأ ما لا يفعله كثير من العلم:
ينقلك من معرفة الشيء إلى معرفة نفسك من خلاله.
لذلك ليس كل خطأ نهاية.
بعض الأخطاء تكشف لك شيئًا كان يجب أن تعرفه عن نفسك منذ زمن.

لذلك المشكلة ليست في أن يخطئ الإنسان؛
المشكلة أن يخطئ ولا يتعلم، أو يؤذي ولا يعتذر، أو يعرف الحق ثم يصرّ على خلافه.
أما الخطأ الذي أورث صاحبه وعيًا، والتوبة، والإصلاح، والتواضع؛ فقد يكون جزءًا من الطريق الذي جعله إنسانًا أفضل.

ولهذا أحب في القرآن كلمة التوابين.
فالله لم يقل إن الذين لا يخطئون هم أحب إليه، بل قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾.
كأن في العودة معنى يحبه الله.

ولذلك، حين نرى خطأ إنسان، لنتذكر أن أمامنا إنسانًا، لا خطأً فقط.
قد يكون هذا الخطأ هو أسوأ ما فعله، وقد يكون أيضًا بداية أفضل ما سيفعله.

فلا تختصروا إنسانًا في سقطة، ولا تجعلوا خطأً واحدًا يمحو أعوامًا من الخير.
فالعدل أن نرى الخطأ، لكن العدل أيضًا أن نرى ما قبله وما بعده.
فالخطأ قد يكون سقوطًا، نعم؛لكن ليس كل سقوط نهاية الطريق.أحيانًا يكون السقوط هو اللحظة التي ترى فيها الطريق بوضوح.