ثمة شيء لافت في قصة أصحاب الكهف:
أنها تركت تفاصيل كثيرة كان يمكن أن تشغل فضولنا.
لم تحدد أسماءهم، ولا مكان كهفهم، ولا زمانهم على وجه القطع، ولا عددهم؛ بل حين اختلف الناس في عددهم قال تعالى:﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾.
وكأن القصة لا تريد منا أن ننشغل بمن كانوا، بقدر ما تريد أن نتأمل ماذا فعلوا.
بل إن الله يلفت نظرنا منذ البداية إلى ألا نحصر العجب في ظاهر الحكاية:﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
فليس العجب كله في الكهف، ولا في نومهم الطويل، ولا في استيقاظهم بعد تلك السنين.العجب كان في الفتية أنفسهم.

﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾.
فتية مثلنا.لم يكونوا أنبياء، ولا أصحاب سلطان، ولا أصحاب قوة تجعل مخالفتهم لمجتمعهم أمرًا سهلًا.
كانوا أفرادًا في جماعة، لكنهم لم يقبلوا أن تذوب هويتهم في هوية الجماعة حين أصبح الخلاف متعلقًا بالثوابت.
قالوا:﴿هَٰؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾.
ثم أعلنوا مرجعيتهم:
﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا﴾.

وهنا ينبغي أن نفرّق بين الاختلاف والاختلاف.
فليس كل اختلاف مذمومًا؛ فالناس يختلفون في الطباع، والأذواق، والاجتهادات، وفي كثير من شؤون الحياة؛ وهذت اختلاف محمود يوسع الحياة.
لكن الاختلاف الأخطر هو أن يختلف الميزان الذي نزن به الأشياء.لأن الميزان يكشف المرجعية.
حين يختلف الناس في معنى الحق، أو الخير، أو الكرامة، أو الرحمة، أو القوة، بحيث يصبح ما يراه أحدهم ظلمًا يراه الآخر أمرًا عاديًا، وما يراه أحدهم رحمة يراه الآخر ضعفًا، فنحن لم نعد أمام اختلاف في الرأي فحسب، بل أمام اختلاف في المرجع الذي يُحكم إليه.
وهذا هو الاختلاف الذي يهدد الإنسان بالذوبان؛ لأن القلب الذي لا يملك مرجعية ثابتة، تصبح الجماعة مرجعيته من حيث لا يشعر.أما أهل الكهف، فقد عرفوا مرجعيتهم.
ولذلك استطاعوا أن يقولوا: لا.

ثم جاءت اللحظة التي يتحول فيها الإيمان من قناعة في القلب إلى موقف في الحياة:﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾.

تأملوا ترتيب الآيات:﴿آمَنُوا﴾ثم ﴿قَامُوا﴾ثم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾.

آمنوا أولًا، ثم قاموا.
والقيام هنا ليس مجرد قيام الأجساد؛ إنه قيام الإنسان بما آمن به حين يصبح الثمن حقيقيًا.ولذلك قال الله:
﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.

كأن الثبات الذي احتاجوه في تلك اللحظة لم يكن أمرًا بشريًا خالصًا؛ قاموا، فربط الله على قلوبهم.

ثم انظروا كيف أخذ الله على عاتقه التفاصيل التي لم يكونوا يعرفونها.
هم عرفوا خطوتهم، ولم يعرفوا بقية الطريق.
قالوا:
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾.

فأصبح الكهف، الذي يبدو في أعين الناس مكانًا ضيقًا موحشًا، موضعًا تنزل فيه الرحمة، ويُهيَّأ فيه المرفق.
وتولى الله ما لم يستطيعوا تدبيره:
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾.
وحفظ أجسادهم من أثر الزمن، وقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظهم في نومهم الطويل، حتى كان كلبهم:
﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾.
ثم مضت السنوات بل مضت القرون وتغيّر كل شيء حولهم.

تغيّرت الوجوه، وتبدلت الأجيال، وتغيرت المدينة، وانقضى زمانهم، حتى استيقظوا وهم لا يعرفون العالم الذي أصبحوا فيه.
وكانت النقود التي معهم كافية لتكشف أنهم صاروا أبناء زمن آخر.كل شيء تغيّر إلا هم.

تغيّر العالم، ولم تتغير عقيدتهم.
مرّ الزمن على أجسادهم، لكنه لم يمرّ على الحقيقة التي استقرت في قلوبهم.

وهنا يكمن العجب الذي يستحق أن نتوقف عنده:أن يطول الظلام، ويبقى النور حيًّا.
أن يتغير ما حولك، ولا يتغير الميزان في داخلك.
أن تكون في جهة، ويكون العالم في جهة أخرى، ثم لا تحتاج إلى أن تنتصر على العالم كله؛ يكفي أن تعرف متى تقول: لا.

فأهل الكهف لم يغيّروا العالم.
لكنهم حفظوا أنفسهم من أن يغيّرهم العالم.
وربما لهذا بقيت قصتهم مفتوحة لكل زمان ومكان:
لأن أهل الكهف ليسوا أسماءً نبحث عنها في التاريخ فقط.

إنهم كل فتيةٍ آمنوا، ثم قاموا، حين كان المطلوب منهم أن يذوبوا.