هي مرحلة لا تأتي لأنك رأيتَ كل شيء، بل لأنك تعلّمتَ أن ترى الأشياء على حقيقتها.
تصل إليها حين لا يعود المنصب يبهرك، ولا الشهرة، ولا كثرة الأتباع، ولا فصاحة الكلام، ولا الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه.
ولكن عدم الانبهار لا يعني أن تفقد قدرتك على الإعجاب،
بل يعني أن يصبح إعجابك أكثر وعيًا وأقل سذاجة.
قد تعجب بعالم، لكنك لا تقدّسه.
وقد تحترم صاحب منصب، لكنك لا تمنحه عقلك.
وقد تحب إنسانًا، لكنك لا تعميك محبتك عن عيوبه.
وقد تختلف مع شخص، ثم تنصفه في الموضع الذي يستحق فيه الإنصاف.
وفي هذه المرحلة، لا تعود تنبهر بمن يعلو صوته، بل بمن يعلو خُلُقه.
لا بمن يكثر الحديث عن القيم، بل بمن يحفظها حين تكون كلفتها عليه كبيرة.
لا بمن يطلب التقدير، بل بمن يعطيه للآخرين.
ولا بمن يحرص أن يراه الناس كبيرًا، بل بمن يستطيع أن يبقى إنسانًا حتى وهو في موقع القوة.
وحين تصل إلى هذه المرحلة، يصبح لديك ميزان داخلي لا تهزه الأسماء.
فليس كل مشهور عظيمًا، ولا كل مجهول صغيرًا.
وربما أجمل ما في هذه المرحلة أنك تتوقف عن البحث عن الأشخاص الذين تنبهر بهم، وتبدأ في البحث عن المعاني التي تستحق أن تُعظّم.
تلك هي المرحلة التي يتحرر فيها العقل من سطوة الأسماء،والقلب من التعلّق بالأشخاص، والبصيرة من بريق المظاهر.
فتعرف أن الإنسان يُحترم بقدر ما فيه من حق، لا بقدر ما حوله من ضوء.
