ليس 17 أيلول يومًا حزينًا في تاريخ لبنان وحده، بل يومٌ ينبغي أن يبقى حاضرًا في ذاكرة الإنسانية؛ لأن الجريمة التي وقعت فيه لم تستهدف مكانًا عسكريًا محددًا، ولم تجرِ في ساحة معركة واضحة، بل دخلت إلى تفاصيل الحياة اليومية للناس، واستخدمت أجهزة اتصال صغيرة حملها أشخاص في بيوتهم، وفي الشوارع، وفي المتاجر، وبين أهلهم.
في ذلك اليوم، انفجرت آلاف أجهزة الـ«بيجر» في أنحاء لبنان، فسقط قتلى وجرحى، بينهم أطفال ومسعفون، وأصيب آلاف الأشخاص بإصابات غيّرت حياتهم. ولم يكن الضرر محصورًا بمن كان يحمل الجهاز؛ فقد وقع الانفجار في محيط عائلي ومدني مكتظ، فأصاب من كان قريبًا منه أيضًا. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية وقوع الانفجارات في شوارع سكنية ومتاجر ومنازل، وأكدت أن الأدلة المتاحة تشير إلى أن الأجهزة لم تكن محصورة بالمقاتلين، بل كانت موجودة أيضًا لدى أشخاص يعملون في مؤسسات ذات طابع مدني.
وهنا تكمن خطورة 17 أيلول.
فالمسألة ليست فقط في عدد الشهداء والجرحى، ولا في عدد العيون التي أُصيبت أو الأيدي التي بُترت؛ بل في السؤال الذي تركته الجريمة أمام ضمير العالم:
هل يجوز أن يتحول شيء من أدوات الحياة اليومية إلى وسيلة موت، دون أن يعرف من يحملها أنه يحمل خطرًا على حياته وحياة من حوله؟
لقد قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان إن استهداف آلاف الأشخاص في وقت واحد، من دون معرفة من كان يحمل الأجهزة وأين كانوا ومن كان موجودًا بالقرب منهم، يثير مسائل خطيرة بموجب القانون الدولي، وطالب بتحقيق مستقل وشامل وشفاف ومحاسبة من أمر ونفّذ هذه الهجمات.
أما منظمة العفو الدولية، فقد خلصت إلى أن طبيعة الهجمات والأدلة المتاحة تستدعي التحقيق فيها باعتبارها هجمات عشوائية غير مشروعة، وقد تصل، إذا ثبتت مسؤولية إسرائيل، إلى جرائم حرب.
في 17 أيلول، لم تنفجر أجهزة في أيدي الناس فقط؛ لقد تعرّض معنى الأمان نفسه للانفجار.
فأصبحت أداة الاتصال موضع خوف، والشارع مكانًا محتملًا للخطر، والبيت الذي يفترض أن يكون ملاذًا للأمان مسرحًا للإصابة، وأصبح الإنسان عاجزًا عن معرفة أين يمكن أن يكمن الخطر أو كيف يمكن أن يصل إليه.
وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بلبنان وحده، ولا بهوية الضحايا وحدها.إنه سؤال عن الإنسان.
فإذا كان المدني لا يستطيع أن يأمن في بيته، ولا في الشارع، ولا حتى في أداة يحملها للتواصل مع أهله، فأين يبدأ حق الإنسان في الأمان، وأين تنتهي سلطة الحرب؟
ولهذا، فإن تخليد ذكرى شهداء 17 أيلول لا يكون بالبكاء عليهم وحده، بل بالإصرار على الحقيقة، وبالمطالبة بتحقيق مستقل، وبأن يبقى القانون فوق القوة، وأن تبقى حياة الإنسان — أيًّا كان اسمه وانتماؤه — خارج دائرة الاستباحة.
