﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾
قد يفعل شخصان الفعل نفسه، لكنهما لا يكونان بالضرورة سواء.
قد يعطي اثنان مالًا، وقد يقول اثنان كلمة طيبة، وقد يصمت اثنان، وقد يعفو اثنان عن الإساءة؛ لكن ما وراء الفعل قد يكون مختلفًا تمامًا.
فواحد يعطي لأن في قلبه رحمة، وآخر يعطي طلبًا للثناء.
واحد يعفو لأنه قويّ على الانتقام، وآخر يعفو لأنه عاجز عنه.
واحد يصمت حكمةً، وآخر يصمت خوفًا.
وقد يفعل الإنسان الخير، لكن الدافع الذي حرّكه إليه هو الذي يكشف شيئًا من شاكِلته.
فالشاكلة هي ما يميز إنسانًا عن آخر، حتى حين يتشابهان في الفعل.
والشاكلة لا يصنعها فعل واحد.
إنها تتكوّن شيئًا فشيئًا من الأفكار التي نكررها، والمشاعر التي نسمح لها أن تستقر، والرغبات التي نغذيها، والاختيارات التي نعيدها مرة بعد مرة.
فالصدق المتكرر يصنع في النفس شاكلةً صادقة،
والعطاء المتكرر يصنع نفسًا معطاءة،
والعفو المتكرر يربي في الإنسان روحًا عفوّة،
كما أن الكذب والأنانية والحقد إذا تكررت، لم تعد مجرد أفعال عابرة، بل بدأت تصنع هيئةً داخلية يعمل الإنسان من خلالها.
ولهذا فالإنسان لا يصنع أفعاله فقط، بل أفعاله تصنعه أيضًا.
والمسألة الأجمل أن الشاكلة ليست قدرًا مغلقًا.
فالذي اعتاد الغضب يستطيع أن يتعلم الحلم،
والذي اعتاد الأخذ يستطيع أن يتعلم العطاء،
والذي غلبته شهوته يستطيع أن يتعلم ضبطها،
والذي قسا قلبه يستطيع أن يفتح فيه بابًا للرحمة.
قد لا تتغير النفس بقرار واحد، لكنها تتغير باختيارات متكررة.
كل مرة تختار فيها الحق على الهوى، أنت تغيّر شيئًا في شاكلتك.
وكل مرة تنتصر فيها على أنانيتك، أنت تعيد تشكيل نفسك.
وكل مرة تعفو وأنت قادر على الانتقام، أو تصبر وأنت قادر على الانفجار، أو تعطي وأنت محتاج، فإنك لا تقوم بفعل عابر فحسب؛ بل تبني في داخلك إنسانًا جديدًا.
لذلك فإن أخطر ما ينبغي أن ننتبه إليه ليس فقط ما نفعله اليوم، بل ما الذي يصنعه تكرار ما نفعله في نفوسنا.
فالعمل يكشف الشاكلة، والعمل نفسه يشارك في تشكيلها.
وهنا يصبح قوله تعالى:﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾
ليس حكمًا على الإنسان بأن يبقى كما هو، بل دعوةً له أن يسأل نفسه:ما الشاكلة التي أصنعها في داخلي؟
لأنك اليوم قد تختار فعلًا،وغدًا قد يصبح هذا الفعل طبعًا،
ثم يصبح الطبع شاكلة،وتصبح الشاكلة طريقًا تعمل عليه النفس.
فانتبه لما تكرره منك؛فربما كنت لا تكرر فعلًا فحسب،
بل كنت تبني إنسانًا في داخلك.
