الوعي ليس أن تعرف أكثر، بل أن ترى أعمق.
هو ما يفصل بين الحياة والعيش، وبين اليقظة والنوم، وبين العلم والبصيرة، وبين أن ترى الشيء وأن تدرك معناه.
قد يرى اثنان المطر نفسه:
أحدهما يرى ماءً يسقط، والآخر يرى آيةً للرزق والرحمة والتدبير.
وقد يريان النعمة نفسها:
أحدهما يرى ما مُنح، والآخر يرى مَن منح.
وقد يمران بالمحنة نفسها:
أحدهما يرى نهاية، والآخر يراها ابتلاءً وتربيةً وفرصةً للصبر والرجوع إلى الله.
المشهد واحد، لكن التفاعل معه يختلف باختلاف الوعي.
ولهذا يقول سبحانه:﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾.
فليس كل من سمع أصغى، ولا كل من رأى أبصر، ولا كل من عرف وعى.
أولًا: الوعي، أن ترى ما وراء ما ترى
الوعي ليس تراكمًا للمعلومات، ولا كثرةً في المعرفة، وإنما هو ما يفعله الإنسان بما يعرف.
فالمعلومة تدخل إلى العقل، لكن الوعي يبدأ حين تُعالَج هذه المعلومة في الداخل، وحين يعيد الإنسان النظر فيها، ويربط بينها وبين قيمه، وتجربته، وضميره، ونظرته إلى الله والإنسان والحياة.
قد يعرف الإنسان الشيء نفسه الذي يعرفه غيره، لكن أحدهما يمرّ به مرورًا عابرًا، بينما يتوقف الآخر عند معناه، ويسأل: ماذا يعني هذا؟ وما الذي يقتضيه مني؟
ومن هنا لا يكون الوعي في كثرة ما نعرف، بل في عمق ما نفهم، وفي أثر ما نفهمه في طريقة نظرنا وحياتنا.
والوعي لا يغيّر علاقتنا بالأشياء فقط، بل يغيّر علاقتنا بالناس أيضًا.
كلما اتسع الوعي، قلّت الأحكام السريعة، من دون أن تضيع المواقف.
لكن الوعي مكلف.
فالإنسان قبل أن يعرف قد يفعل ما يشاء، أما بعد أن يعرف، فيصبح مسؤولًا عمّا عرف.
حين تعرف أثر الكلمة، لا تعود حرًّا في إيذاء الناس بها.
وحين تعرف قيمة الوقت، لا يعود إهداره أمرًا عابرًا.
وحين تعرف الله، لا تعود الدنيا غايتك؛ ترى النعمة، ولا تغفل عن المنعم.
ولهذا قد يحرمك الوعي بعض الراحة؛ لأنك بعد أن ترى، يصعب أن تتظاهر بأنك لم ترَ.
لكنه، في المقابل، يمنح الحياة معناها.
فالإنسان لا يعيش فقط ليأكل ويشرب ويتكاثر ويبحث عن الأمان والمتعة؛ فهذه حاجات يشترك فيها مع سائر المخلوقات، والحيوان منها ما يعيش وفق غرائزه وحاجاته.
أما الإنسان، فقد مُنح قدرةً تجعله لا يكتفي بأن يعيش، بل يسأل:لماذا أعيش؟ ولأجل ماذا؟ وإلى أين؟
ومن هنا يصبح الوعي أحد أعظم ما يميز إنسانية الإنسان: أن يستطيع أن يخرج من أسر اللحظة والحاجة والغريزة، وأن ينظر إلى نفسه وإلى العالم من موقع أوسع، وأن يختار على ضوء ما أدركه.
فالوعي ليس معلومات تُحفظ، بل معرفة تُعالَج في الداخل، فتتحول إلى بصيرة؛ والبصيرة إلى موقف؛ والموقف إلى عمل؛ والعمل إلى مسؤولية.
وربما ليست أخطر الغفلة أن ينام الإنسان، ولا أن يموت،
بل أن يعيش طويلًا دون أن يستيقظ.
ثانيًا: الإنسان، ليس مركز الكون بل مسؤولًا فيه
لكن الاستيقاظ لا يعني أن نرى العالم بوضوح فحسب؛ بل أن نكتشف أننا لسنا موجودين لأنفسنا فقط.
فما من شيء في هذا الوجود يعيش لنفسه.
الشمس لا تشرق لنفسها،
والقمر لا ينير لنفسه،
والبحر لا يجري لنفسه.
قال الله تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾،
وقال:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾،
وقال:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.
فإذا كان الله قد سخّر للإنسان ما في هذا الوجود، فليس معنى ذلك أن الكون يدور حوله، أو أن الإنسان هو الغاية التي ينتهي إليها كل شيء.
التسخير ليس إعلانًا عن مركزية الإنسان، بل تكليفٌ له داخل هذا الوجود.
فالذي سُخّرت له الأشياء ليس مدعوًا إلى أن يستهلكها لنفسه، بل إلى أن يعرف لماذا سُخّرت له، وكيف يستخدمها في الموضع الذي يرضي الله.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:إذا كان كل شيء يؤدي دوره، فما هو دوري أنا؟
وإذا كانت الشمس والقمر والليل والنهار والبحر تؤدي ما سخّرها الله له، فهل يُعقل أن يعيش الإنسان بلا غاية تتجاوز نفسه؟
الإنسان ليس مركز الكون، لكنه مسؤول فيه.
ومسؤوليته تبدأ حين يدرك أن حياته ليست دائرةً مغلقة حول ذاته، وأن ما أُعطي له من عقل وعلم وقدرة ووقت ليس ملكًا بلا غاية، بل أمانة يُسأل عنها.
فالإنسان الواعي لا يجعل الحياة تدور حول رغباته، بل يبحث عن الحق الذي ينبغي أن يدور هو حوله.
ومن هنا يصبح معنى أن نعيش للحق أوضح.
فالحق ليس مجرد كلمة نقولها، ولا فكرة نؤمن بها في داخلنا، بل حقيقة تقتضي موقفًا، وموقف يقتضي مسؤولية.
ولهذا تختصر وصية أمير المؤمنين عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام هذا المعنى:
«قُولَا بِالْحَقِّ، وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ، وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْمًا، وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنًا».
فالحق، حين نعرفه، يحمّلنا مسؤولية.
وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله:
«مَن أخذ للمظلوم من الظالم، كان معي في الجنة».
ولذلك فالإنسان لا يُقاس فقط بما فعله لنفسه، بل أيضًا بما فعله حين احتاج الحق إلى صوته، وحين احتاج المظلوم إلى عونه، وحين كان السكوت أسهل من الموقف.
فالسؤال ليس فقط:ماذا أخذنا من الحياة؟ بل:ماذا فعلنا بالحق حين عرفناه؟ولمن كان وجودنا عونًا؟
فالوعي الحقيقي ليس أن تستيقظ من الغفلة فحسب،
بل أن تعرف، بعد أن استيقظت، لماذا أنت هنا.
ثريا الصلح