جمعة مباركة
في سورة الكهف، تأتي فتنة المال في قصة صاحب الجنتين.
واللافت، كما في قصة أصحاب الكهف، أن القرآن لم يهتم بأن يخبرنا من هما الرجلان، ولا ما اسماهما، ولا أين كانت جنتاهما، ولا ما تفاصيل حياتهما.
لأن القصة ليست عن رجلين عاشا في زمن مضى، وإنما عن علاقة الإنسان بالمال، والميزان الذي ينظر به إلى ما في يده، وكيف يمكن أن يؤثر هذا الميزان في حياته كلها.
فالمال في ذاته ليس هو القضية.
القضية: كيف يتعامل الإنسان معه؟ وبأي ميزان يراه؟
فالقرآن يضع أمامنا صورتين مختلفتين، لا ثلاث لهما:
إنسان يرى النعمة، فينظر إليها باعتبارها شيئًا يملكه، وإنسان يرى النعمة، لكنه لا يتوقف عندها بل يتجاوزها إلى المنعم.
ولهذا قال الأول:﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
وقال صاحبه:﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
المسألة، إذن، ليست في أن تملك أو لا تملك، بل في كيف ترى ما تملك.
وقد رُوي أن أعرابيًا سُئل: لمن هذه الإبل؟ فقال«لله في يدي».عبارة تختصر فرقًا كبيرًا في الرؤية.
فقد يكون الشيء في يد الإنسان، من غير أن يصبح في قلبه.
أما حين تتحول النعمة إلى جزء من تعريف الإنسان لنفسه، يبدأ المال في صناعة ميزانه.
فكيف يعمل هذا الميزان المختل؟
أولًا: ميزانه مع نفسه
لم يقل صاحب الجنتين: أُعطيتُ المال، أو رُزقتُ الجنتين، وإنما قال:﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾.
دخلت «الأنا» إلى المشهد.
فهو يرى ما عنده، ويجعل ما عنده أساسًا لإثبات تفوقه.
وفي هذا المعنى يأتي قول قارون ليكشف صورة أخرى لهذا الميزان:﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.
فالنعمة، في هذا الميزان، تُردّ إلى الذات: إلى العلم، والقدرة، والجهد، والاستحقاق.
في مقابل ميزان آخر يقول:﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
فالفرق ليس في وجود النعمة، وإنما في نسبتها وموقع الإنسان منها.
هل أراها ثمرةً مني، فأكبر بها في عيني؟
أم أراها فضلًا من الله، فأعرف موضع نفسي منها؟
ثانيًا: ميزانه مع المال
حين تصبح النعمة ملكًا خالصًا في نظر الإنسان، لا يعود المال مجرد وسيلة، بل يتحول إلى مقياس للقوة والقيمة:
أنا أكثر مالًا، وأعز نفرًا.
فيصبح ما يملك معيارًا يرى به نفسه، ويرى به غيره.
أما من يرى المال أمانة، فيبقى المال في يده، ولا يستولي على قلبه.
ولعل هذا المعنى يضيئه كلام الإمام زين العابدين عليه السلام في «حق المال» من رسالة الحقوق:
«فَأَنْ لَا تَأْخُذَهُ إِلَّا مِنْ حِلِّهِ، وَلَا تُنْفِقَهُ إِلَّا فِي حِلِّهِ، وَلَا تُحَرِّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ… وَلَا تَجْعَلْهُ إِذَا كَانَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ وَسَبَبًا إِلَى اللَّهِ».
فإذا كان المال من الله، فلا ينبغي أن يصبح حجابًا عنه.
يكون في اليد، ولا يصبح في القلب.
ثالثًا: ميزانه مع الآخرة
وهنا ينتقل أثر المال من طريقة نظر الإنسان إلى دنياه، إلى طريقة نظره إلى مصيره.
يقول صاحب الجنتين:
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾.
لاحظ كيف دخل المال حتى في تصوره للآخرة.
فهو، بعدما رأى نفسه في الدنيا صاحب جنتين ومال ونفر، افترض أن ما عنده دليل على قيمته، حتى ظن أنه إن كانت هناك آخرة، فسيكون نصيبه فيها خيرًا من نصيبه في الدنيا.
أي أنه لم يعد ينظر إلى الدنيا في ضوء الآخرة، بل أخذ مقاييس الدنيا معه إلى الآخرة.
صار ما يملكه في الدنيا معيارًا لما يتوقعه عند الله.
وهنا يظهر عمق الخلل:
حين يصبح المال معيارًا للقيمة في الدنيا، قد يتحول إلى معيار يتوهم الإنسان به قيمته عند الله.
رابعًا: ميزانه مع الخير والآخرين
ثم يظهر أثر هذا الميزان في علاقته بالآخرين.
وفي سورة يس، نرى منطقًا آخر يكشف الصورة نفسها:
﴿أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾.
فالإنسان هنا لا ينكر قدرة الله على إطعام المحتاج، لكن الخطورة أن تتحول هذه الحقيقة إلى ذريعة لإسقاط مسؤولية الإنسان.
فبدل أن يرى في المال أمانة تستوجب البذل، يقول ضمنًا: إن كان الله قادرًا على إطعامه، فلماذا أُعطي أنا؟
وهكذا يمكن أن يتحول الاعتقاد بقدرة الله، إذا انفصل عن الإحساس بالمسؤولية، إلى وسيلة لتعطيل واجب الإنسان.
وهنا نرى كيف يعمل الميزان المختل:
يبدأ من الأنا،ثم يعيد تعريف المال،ثم يؤثر في تصور الآخرة،ثم ينعكس على علاقة الإنسان بالآخرين وبعمل الخير.
فالخلل لم يكن في المال نفسه، وإنما في الميزان الذي نظر به الإنسان إلى المال.
ثم جاءت العاقبة
وهنا تنتقل القصة من بيان الميزان إلى بيان أثره.
فالقرآن لا يذكر لنا اختلال الميزان فقط، بل يذكر لنا نتيجته:
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
انتهى الأمر إلى خسارة الجنة.
واللافت أن القرآن لا يجعل العبرة في أنه خسر ماله فقط، بل في الصورة التي آل إليها:﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾.
اليد التي كانت تمسك بالمال، أصبحت لا تملك إلا أن تتقلب حسرةً عليه.وهنا تكتمل الصورة.
أما صاحبه، فكان ميزانه مختلفًا منذ البداية:
﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
وحين فقد الأول جنته، بقي الثاني على ميزانه:
﴿فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ﴾.
وهنا تكمن دقة القصة.
فالقرآن لا يعلّمنا فقط كيف نتعامل مع المال، بل كيف نراه.
لأن طريقة رؤيتنا للنعمة تصنع علاقتنا بها، وعلاقتنا بها تؤثر في اختياراتنا، واختياراتنا تترك أثرها في مسار حياتنا.
وبين أن ترى النعمة وأن ترى المُنعِم، يبدأ امتحان القلب.
