يخيفه الفقر، فيخشى أن يقلّ رزقه، حتى إن بعضهم يعيش بين التدبير والبخل، يحسب ما ينفق أكثر مما يحسب ما يملك.

ويخيفه المرض، فيخشى أن يفقد عافيته.

ويخيفه المستقبل، لأنه لا يعرف ما الذي ينتظره.

ويخيفه الناس، فيحسب حساب كلامهم وغضبهم ورضاهم.

ويخيفه أن يخسر، وأن يُرفض، وأن يُظلم، وأن يُغلق في وجهه باب.

حتى يصبح الخوف موزعًا في القلب بين أشياء لا نملكها، وأشخاص لا نملك قلوبهم، وأقدار لا نملك تغييرها.

فيعيش الإنسان أحيانًا بين مخاوف لا تنتهي

كلما اطمأنّ إلى شيء، ظهر له شيء آخر يخافه.

لكن القرآن يعلّمنا أن المشكلة ليست في وجود الخوف،

فالخوف غريزة، وقد يكون نعمة تحفظ الإنسان من الهلاك.

المشكلة هي: مَن يسكن الخوفُ منه القلب؟

قال تعالى:

﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

وكأن المعنى:

لا تجعلوا خوفكم من الخلق او من الغيب أكبر من خوفكم من الخالق.

وقال سبحانه تأكيدا على المعنى﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.

وحين يستقر خوف الله في القلب، يتغيّر ميزان الخوف كله.

فالذي يخشى الله لا يعيش أسيرًا لنظرة الناس،

ولا يبيع الحق خوفًا من خسارة،

ولا يسكت عن الباطل لأن أحدًا قد يغضب.

لا يعني ذلك أن الإنسان لا يتألم، ولا أنه لا يحذر، ولا أنه لا يأخذ بالأسباب.

بل يعني أن الأسباب لا تصبح آلهةً يخافها،

والناس لا يصبحون أربابًا يخضع لهم،

والمستقبل لا يتحول إلى وحش يطارده.

لأنه يعلم:﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

فماذا يبقى بعد ذلك؟يبقى أن تخاف الله

فتصغر في عينيك مخاوف كثيرة.

من خاف الله، أخاف الله منه كل شيء.

فلا تخاف الناس على حساب الله،

ولا تخاف الفقر على حساب كرامتك،

ولا تخاف الخسارة على حساب الحق،

ولا تخاف المستقبل ما دمت قد أودعت مستقبلك عند الله.

اجعل خوفك لله،

تجد أن كثيرًا مما كنت تخافه لا يستحق أن يخيف قلبك.

فليس الأمان أن تختفي الأشياء التي نخافها،

بل أن يصبح في القلب من الثقة بالله ما يجعلنا لا ننكسر أمامها.

أن تخاف الله وحده،

فلا يعود شيءٌ في هذا العالم قادرًا على استعباد قلبك.