﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾البقرة: 155
لم يبتلك الله ليكسرك، بل ليعيد تشكيلك.
ابتلاك لتقترب، لا لتكتئب.
لكن إن اكتأبت، فأنت بشر.
لك كامل الحق أن تشعر، وأن تتألم، وأن تحزن، وأن تمرّ عليك أيام لا تجد فيها في نفسك قدرةً على التجلّد.
فالإيمان لا يعني أن القلب لا يتوجّع، وإنما يعني ألّا يجعل الوجعُ بينك وبين الله مسافة.
وقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾البقرة: 153
لاحظ: لم يقل إن الصابرين لا يتألمون، وإنما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ففي قلب الابتلاء، لا تُطلب منك قسوة القلب، وإنما أن تبقى متجهًا إلى الله.
ماذا فعل الابتلاء بقلبك؟
هل تعلم ماذا فعل الابتلاء بقلبك الذي كان يظن أنه يستطيع الاستغناء؟
علّمه الحاجة.
والذي كان قاسيًا على وجع الآخرين، أصبح أكثر حنانًا؛ لأنه ذاق الوجع بنفسه.
والذي كان يمرّ على دمعة إنسان دون أن يشعر بها، أصبح أكثر انتباهًا للقلوب المكسورة.
فالابتلاء قد يجعل القلب أكثر رحمة.
فأنت لا تجبر خاطر إنسان لأنك قرأت عن الجبر،
بل لأنك عرفت يومًا كيف يبدو القلب حين يحتاج إلى من يجبره.
وربما لهذا يقول الله تعالى عن أهل الابتلاء:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾البقرة: 156-157
تأملها:مصيبة، ثم رحمة، ثم هداية.
ماذا فعل الابتلاء بعقلك؟
هناك أشياء لا نفهمها ونحن في عافيةٍ دائمة.
تأتي التجربة فتسقط بعض الأوهام، وتعيد ترتيب الأولويات، وتكشف لنا حقيقة أشخاص وأشياء كنا نراها على غير حقيقتها.
نبدأ بفهم ما لم نفهمه بالكلام.
ندرك أن بعض ما حسبناه خسارةً كان حماية،
وأن بعض الأبواب التي بكينا لإغلاقها كان في إغلاقها نجاة،
وأن الإنسان قد يتأخر في فهم الحكمة، لكن تأخر الفهم لا يعني غياب الحكمة.
وربما لذلك قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾البقرة: 216.
فالابتلاء لا يغيّر الأحداث وحدها، بل قد يغيّر طريقة رؤيتنا للأحداث.
وهكذا ينضج العقل من الاستيعاب الذي جاء باكرًا عن موعده.
ماذا يفعل الابتلاء في الجسد؟
الجسد أيضًا له ذاكرة.
يتعب، ويضعف، ويحتاج إلى الراحة، ويعلّم الإنسان حدود قدرته.
فيكتشف أنه ليس آلةً لا تتوقف، وأن القوة ليست أن يستمر دائمًا، بل أن يعرف متى يتوقف، ومتى يستريح، ومتى يطلب العون.
وقد يجعلنا التعب أكثر رفقًا بأجسادنا، وأكثر فهمًا لأجساد الآخرين.
فالإنسان حين يذوق الضعف، يتواضع أمام حقيقة نفسه.
وماذا يفعل الابتلاء في الروح؟
وهنا ربما يكون أعمق أثر للابتلاء.
حين تضيق بنا الدنيا، نكتشف أن ما كنا نتكئ عليه ليس دائمًا قادرًا على حملنا.
فتتخفف الروح شيئًا فشيئًا من التعلق بالأسباب، لا لأنها تترك الأسباب، بل لأنها تتعلم ألّا تجعلها غايتها.
فتعرف معنى الافتقار إلى الله.
وقد تُخرج الأسقام والأوجاع من القلب تعلقًا بأشياء كان يظنها ضرورية، وتزرع فيه شيئًا من الزهد؛ لا زهدَ من يكره الدنيا، وإنما زهدَ من عرف أنها ليست الغاية.
لكن لا ينبغي أن نستعجل هذه النتيجة.
فليس مطلوبًا منك، وأنت في قلب الألم، أن تقول:
«أنا بخير لأن في الأمر حكمة».
يمكنك أن تبكي، وأن تقول:يا رب، هذا يؤلمني.
فالله لا يحتاج منك أن تنكر ألمك كي تكون مؤمنًا.
إنما يحتاج منك ألّا تجعل ألمك يقطع الطريق إليه.
قد لا تفهم اليوم لماذا حدث ما حدث،
وقد لا ترى في التجربة إلا المرارة.
وهذا لا يعني أنك ضعيف الإيمان.
فالقرآن نفسه يعلّمنا كيف يكون موقف المؤمن حين تصيبه المصيبة:
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
ثم يأتي الوعد:
﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
فربما يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فتكتشف أن التجربة التي مسّت قلبك بسوء يومًا، هي نفسها التي وسّعت قلبك.
وأن الوجع الذي أثقل عقلك، هو نفسه الذي علّمك.
وأن التعب الذي أضعف جسدك، جعلك تعرف ضعفه.
وأن كل ذلك دفع روحك إلى حيث لم تكن لتذهب لو بقيت الحياة دائمًا سهلة.
ابتلاك لتقترب.
فربما كان هذا الألم، بكل ما فيه من مرارة، يقودك إليه خطوةً خطوة.
حتى تقترب.