ما أرقّ الرحمة حين تسكن في إنسان!
إنها ليست شعورًا يمر، إنها طريقةٌ في النظر إلى الناس، وفي الكلام معهم، وفي الاختلاف، والعتاب، وحتى في استعمال القوة والقدرة على العقاب.
ولعلّ من أعظم ما يكشف مكانة الرحمة أن الله سمّى نفسه بها:﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾.
فما أبعث للطمأنينة في القلب من أن تعلم أن ربك الذي إليه مصيرك رحمن رحيم.
وجعل القرآن الرحمة من أعظم ما وصف به رسوله صلى الله عليه وعلى آله السلام، فقال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
ولم تكن رحمته صلى الله عليه وعلى آله السلام كلمةً تُقال، بل كانت سيرةً تُعاش.
رحم الصغير، ورقّ للضعيف، وعفا عمّن آذاه، وكان يرى الإنسان وراء خطئه، والقلب وراء زلّته.
حتى حين اشتدّ عليه أذى قومه، بقي في قلبه متّسعٌ للرجاء في هدايتهم، ولم تتحول قدرته إلى انتقام.
وقال صلى الله عليه وعلى آله السلام:
«مَن لا يَرحم لا يُرحم».
وكأن في الرحمة سرًّا عجيبًا:
أنها لا تتوقف عند القلب الذي يمنحها، بل تنتقل إلى القلب الذي يتلقاها.
فالرحمة تستدرّ الرحمة، والرفق يوقظ الرفق، والقسوة تستدعي قسوةً تشبهها.
ولذلك قال تعالى:
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
فالرحمة لا تعني إلغاء الحق، وإنما أن نحفظ الحق من أن يتحول إلى قسوة، ونحفظ القوة من أن تتحول إلى ظلم.
ولعلّ هذا بعض سرّ سحر الرحمة:
أنها لا تُذلّ من تُمنح له، ولا تُنقص من يمنحها، بل ترفع الاثنين معًا.
ولهذا ربما كان سرّ حبنا للحب أنه يحمل في داخله شيئًا من الرحمة.
نحن نحبّ من يرحم ضعفنا، ويرفق بزلاتنا، ويحفظ أسرار ضعفنا، ولا يستخدم معرفته بنا ليؤذينا.
نحبّ من يستطيع أن يقسو، ثم يختار الرحمة؛
ويستطيع أن ينتصر، ثم يختار ألا يُهين.
ولهذا ليس كل ما يُسمّى حبًّا حبًّا.
فالحب الذي لا رحمة فيه قد يكون تعلّقًا، أو امتلاكًا، أو رغبةً، أو حاجةً إلى الآخر.
أما الحب الذي أراده الله، فقد قرنه بالمودة والرحمة:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فالرحمة لا تعني أن تقول للإنسان: «أنت معذور دائمًا»،
بل أن ترى خطأه دون أن تختزل إنسانيته في خطئه.
ولا تعني أن تتنازل عن الحق،
بل أن تحمل الحق بقلبٍ لا يتلذذ بإيلام الآخرين.
ولا تعني أن تمنع العقوبة دائمًا،
بل أن يكون قلبك، حتى وأنت تضع الحدّ، خاليًا من التشفي.
ما أجمل أن يكون الإنسان قويًّا رحيمًا وقادرًا رفيقًا و مختلفًا دون أن يجرح وغاضبًا دون أن يظلم ومنتصرًا دون أن يُهين.
فالرحمة ليست ضعفًاإنها قوةٌ مهذّبة بالله.
وكلما عرف القلب ربّه، اتّسع للخلق؛
وكلما ذاق رحمة الله، صار أقدر على أن يرحم.
فكن رحيمًا.
فالقلوب لا تنسى من رحمها،
و الجراح لا يداويها إلا الرفق،
وبعض الناس قد ينسون كلماتك
لكنهم لا ينسون أبدًا كيف جعلتهم يشعرون وهم إلى جوارك.
والرحمة التي تزرعها في قلب إنسان، قد تكون رحمةً تعود إليك يومًا من حيث لا تحتسب.