يُروى أن العرب كانوا إذا اختلط عليهم أمر الخيل، ولم يعودوا يميزون أصيلها من هجينها، جمعوها ومنعوا عنها الطعام والشراب، ثم أطلقوا لها الأكل والشرب؛ فكانت الخيل تنقسم إلى مجموعتين:
فرسٌ تهرول إلى الطعام، غير آبهة بما فعلوا بها.
وفرسٌ تأبى أن تأكل من اليد التي ضربتها وأهانتها.
فكانت الكرامة عندهم علامةً من علامات الأصالة.
درسٌ نتعلّمه من الفرس، مع أن الله لم يكرّمها كما كرّم ابن آدم.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
وقال:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
فكيف لا يعرف الإنسان قيمة كرامته؟
كيف يقبل أن يُهان من أجل منفعة، أو يُذلّ من أجل مكانة، أو يبيع عزّة نفسه مقابل شيءٍ من متاع الدنيا؟
قد تعلّمنا الفرس أن الجوع أهون من أن تكون يدُ الإطعام هي اليدَ التي أهانتك.
فإذا كانت الكرامة تكشف أصالة الفرس، فماذا تكشف عن الإنسان؟
ربما لا يكون امتحانُ أصالتنا فيما نملك، بل فيما نرفض أن نقبلَه ولو كنّا في أشدّ الحاجة إليه.