يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].
ويقول سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40].
ويقول أيضاً:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
إنها آيات تضعنا أمام حقيقة كبرى: أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل عن شيء، وأن عدله لا تحدّه حدود، ولا تضيع في ميزانه الحقوق، مهما صغرت.
ولعلّ من أعظم المشاهد التي تكشف لنا هذا المعنى ما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله السلام، إذ قال:
«لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»
تأمّلوا هذا المشهد!
شاة لا قرون لها اعتدت عليها شاة ذات قرون، فيقتصّ الله لها منها يوم القيامة، رغم أن الحيوان لا يملك عقل الإنسان، ولا يُحاسَب على أفعاله حساب المكلّفين.
إنه قصاص إظهار للعدل الإلهي، وإعلان أن الحقوق لا تضيع عند الله، حتى بين المخلوقات التي لا تعي معنى التكليف والمسؤولية.
وقد ورد في بعض الآثار والتفاسير أن الحيوانات، بعد أن يُقتصّ لبعضها من بعض، تصير تراباً، وعندها يقول الكافر، كما أخبرنا القرآن في ختام سورة النبأ:
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40].
فإذا كان هذا شأن حقّ نطحة بين شاتين، فكيف بحقوق البشر، وهم أصحاب العقل والإرادة، الذين يعرفون الحق والباطل، ويختارون أفعالهم عن وعي وإدراك؟
ما بالنا بمن ظلموا شعوبهم، واستبدّوا بالحكم، ونهبوا مقدّرات أوطانهم، وصادروا الحريات، وجوّعوا الناس، وأهدروا كراماتهم، واتخذوا من السلطة وسيلة للبطش والإثراء؟
ما بالنا بمن أشعلوا الحروب، وسفكوا الدماء، وشرّدوا الأبرياء، وهدموا البيوت، وتركوا الشعوب تواجه الموت والجوع والتهجير؟
ما بالنا بمن خانوا الأمانة العامة، واستغلّوا مواقع المسؤولية، وأكلوا أموال الناس بالباطل، وحكموا بغير عدل، وشهدوا بالزور، أو سكتوا عن الظلم وهم قادرون على منعه؟
ما بالنا بمن استغلّوا ضعف الآخرين وحاجتهم، واحتكروا حقوقهم، وحجبوا عنهم أجورهم، ونسبوا جهودهم إلى أنفسهم؟
ما بالنا بمن أكلوا حقوق الورثة، واستولوا على أموال إخوتهم، وأكلوا مال اليتيم، وأنكروا الديون، وجحدوا الأمانات؟
ما بالنا بمن خاضوا في أعراض الناس، واغتابوا، وبهتوا، وافتروا، ونقلوا الكلام لإفساد العلاقات، وأشعلوا الفتن بين الأقارب والأصدقاء؟
ما بالنا بالمنافق الذي يُظهر وجهاً ويُخفي آخر، وذي الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وأولئك بوجه، والغدّار الذي ينقض عهده، وناكر الجميل الذي يجحد المعروف؟
ما بالنا بمن خذلوا من ائتمنهم، واستغلوا طيبة الآخرين، وكسروا خواطرهم، واستباحوا مشاعرهم، وألحقوا بهم الأذى ثم مضوا وكأن شيئاً لم يكن؟
ما بالنا بمن تعمّدوا تشويه سمعة إنسان، أو تدمير حياته، أو حرمانه من رزقه وحقه، أو الإضرار به باحدى وسائل الأذى؟
ما بالنا بمن ظلموا بكلمة، أو بشهادة زور، أو باتهام باطل، أو بتهمة ألصقوها بإنسان بريء، أو بسرّ اؤتمنوا عليه فخانوا الأمانة؟