﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

نحن نميل إلى تصوّر أنّ الحياة يجب أن تسير نحو الانسجام، وأنّ الاستقرار يتحقّق حين تتوافق الأشياء وتتآلف. لكنّ التأمّل في الطبيعة يكشف لنا أمرًا آخر. فالحياة لا تقوم على التشابه وحده، بل إنّ التفاعل بين المختلفات قد يكون ضرورةً لاستمرارها وتوازنها.

ففي الكهرباء، تتفاعل الشحنات الموجبة والسالبة، وينشأ عن هذا التفاعل التيار الكهربائي.

وفي جسم الإنسان، تتعرّف خلايا المناعة إلى الأجسام الغريبة التي تدخله وتعمل على مقاومتها.

وفي الطبيعة، تسهم العلاقة بين المفترسات وفرائسها في تنظيم أعداد الكائنات والحفاظ على التوازن البيئي.

وكأنّ هذه الصور، على اختلافها، تذكّرنا بأنّ التوازن لا يتحقّق دائمًا بالتشابه والانسجام، بل قد يكون في تفاعل القوى المتقابلة ما يحفظ الحياة من الاختلال.

وفي حياة البشر، يتجلّى هذا المعنى بوضوح في مواجهة الظلم والفساد. يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.

فالتدافع هنا “””ليس صراعًا من أجل الانتصار”””، بل ضرورة لحماية العدل وصيانة الحقوق، والحيلولة دون أن تتحوّل إرادة الأقوى إلى سلطة مطلقة تفرض نفسها على الآخرين. فلولا من يقف في وجه الظالم، لاستطال في ظلمه، ولولا من يدافع عن الحقّ، لربّما استقرّ الباطل حتى بدا كأنّه حقّ.

ولكنّ ارى ان لهذا المعنى تجلّيًا آخر في حياتنا الشخصية. فكما تحتاج المجتمعات إلى من يواجه الفساد ويقاومه، قد يحتاج الإنسان، في مسيرته نحو النضج، إلى تجارب يراها قاسية، يعيشها مع أشخاص يخالفونه ويعارضونه، ويضعونه أمام ما لا يرغب في رؤيته من نفسه.

فنحن نرتاح عادةً إلى من يشبهوننا، ويوافقوننا في أفكارنا وطباعنا وآرائنا، ويؤكّدون لنا أنّنا على صواب. لكنّ الحياة قد تجمعنا بمن يناقضنا، ويستفزّنا، ويختلف عنّا في طريقة التفكير والتصرّف. فنجد أنفسنا أمام مواقف تكشف لنا من طباعنا ما لم نكن نراه، ومن عيوبنا ما لم نكن نعترف به.

فمن يختلف معنا قد يكشف تعصّبنا،

ومن يستفزّنا قد يكشف ضعف قدرتنا على ضبط الغضب،

ومن ينافسنا قد يضعنا أمام حقيقة دوافعنا،

ومن يعترض على آرائنا قد يدفعنا إلى مراجعة ما كنّا نظنّه يقينًا لا يقبل النقاش.

فنحن لا نعرف مقدار حلمنا ما لم نُستفزّ،

ولا مقدار تواضعنا ما لم يخالفنا أحد،

ولا حقيقة تمسّكنا بالعدل ما لم نمتلك القدرة على الردّ على من أساء إلينا.

وقد نظنّ أنفسنا أصحاب أخلاق رفيعة ما دامت الظروف لا تستخرج منّا إلا أجمل ما فينا، ثم يأتي الاختلاف ليكشف المسافة بين الصورة التي نحبّ أن نرى أنفسنا فيها، وحقيقتنا حين نُختبر.

ولعلّ بعض من لا يشبهوننا لا يمنحوننا الراحة التي ننشدها، لكنّهم يكشفون لنا ما نحتاج إلى إصلاحه في أنفسنا، ويدفعوننا إلى مراجعة طباعنا وتشذيبها.

وهنا يتجلّى التدافع على مستوى آخر: فكما تكون مواجهة الظلم حمايةً للمجتمع من الفساد، قد يكون الاحتكاك بمن يخالفنا فرصةً لمقاومة ما يستقرّ في نفوسنا من كِبر وتعصّب وأنانية. وكما يفسد المجتمع حين يُترك الظلم بلا مقاومة، قد تفسد شخصياتنا وعلاقاتنا حين نترك عيوبنا بلا مراجعة، ونصرّ على اعتبار أنفسنا دائمًا على صواب.

فلعلّ بعض التدافع يحمي المجتمع من فسادٍ يهدّده، وبعض الاختلاف يحمينا من فسادٍ قد يستقرّ في داخلنا.