«صنائع المعروف تقي مصارع السوء» حكمةٌ نبوية تختصر معنى عميقًا: أنّ الخير الذي نصنعه في حياة الآخرين قد يتجاوز أثره ما نراه، وأنّ المعروف لا يُقاس بحجمه، بل بما يتركه في النفوس من أثر.
فصنائع المعروف ليست مجرّد أفعال خيرٍ نؤدّيها للآخرين، بل هي عبادةٌ نتقرّب بها إلى الله، ورحمةٌ نزرعها في حياة الناس، وأملٌ نعيده إلى قلبٍ أنهكه الوجع، وخيرٌ نرجو أن نلقاه حين نكون نحن في حاجةٍ إلى الرحمة.
ولا أحد عاجزٌ عن فعل الخير لأنّه لا يملك المال فالمعروف أوسع من العطاء الماديّ بكثير. قد يكون كلمةً طيّبة، أو إصغاءً لمن يحتاج إلى من يسمعه، أو علمًا ننقله، أو أذًى نمنعه، أو يدًا نمدّها لمحتاج، أو موقفًا نقف فيه إلى جانب مظلوم.
وقد جاء في الحديث «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق».
شخصيًّا، أشعر بأنّ المعروف حاجةٌ يوميّة، وأنّ يومًا يمرّ من دون أن أفعل فيه خيرًا، ولو صغيرًا، هو يومٌ افتقدت فيه شيئًا أحتاج إليه أنا أيضًا. لذلك أسعى إلى المعروف قبل أن يسعى إليّ، لا لأنّني أملك دائمًا ما أقدّمه، بل لأنّني أؤمن بأنّ لكلّ إنسانٍ شيئًا يستطيع أن يمنحه لغيره.
وأؤمن بأنّنا قد نكون، من حيث لا ندري، سببًا في أن يستعيد إنسانٌ قوّته لمواصلة الحياة، أو ثقته بالعدل، أو إيمانه بأنّ الإنسان لا يزال قادرًا على أن يكون سندًا لأخيه الإنسان. وقد لا نعرف أبدًا ما الذي أحدثته كلمةٌ قلناها، أو يدٌ مددناها، أو محنةٌ ساعدنا أحدًا على تجاوزها.
لهذا، لا أصنع المعروف انتظارًا لردّ الجميل، ولا أريد له أن يتحوّل إلى منّةٍ على أحد. أصنعه لأنّ الله يحبّ الإحسان، ولأنّ الإنسان يستحقّ الرحمة.
قال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
فاصنعوا المعروف ما استطعتم فربّ فعلٍ صغير في أعينكم يعيد إلى إنسانٍ إيمانه بالحياة، وربّ رحمةٍ قدّمتموها لغيركم تكونون أنتم أنفسكم، يومًا، في أمسّ الحاجة إليها.