لا يقدّم القرآن فرعون بوصفه شخصًا طاغية فحسب، بل يكشف من خلاله ملامح نظام متكامل في الحكم، يقوم على الاستعلاء، وتقسيم المجتمع، وإضعاف الناس، واحتكار الحقيقة، وتسخير القوة والتأثير لخدمة السلطة. ومن الآيات التي ترسم هذه الملامح:

1. الاستعلاء واحتكار السلطة

قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 4]. فالاستبداد يبدأ حين يتعامل الحاكم مع السلطة بوصفها امتيازًا شخصيًا، ويرى نفسه فوق المجتمع، لا مسؤولًا أمامه.

2. تقسيم المجتمع وإشغاله بصراعاته

قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4]. لم يكن تقسيم المجتمع مجرد تفصيل في سياسة فرعون، بل وسيلة لإحكام السيطرة عليه. فعندما ينشغل الناس بعداواتهم وانقساماتهم، تُستنزف طاقتهم في الصراع فيما بينهم، ويغيب عنهم ما يجمعهم من مصالح عامة وحقوق مشتركة، فتضعف قدرتهم على مواجهة الظلم.

3. صناعة الخضوع باستضعاف فئة من الناس وإذلالها

قال تعالى: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ [القصص: 4]. لم يكتفِ فرعون بالسيطرة على فئة من المجتمع، بل جعل استضعافها سياسةً تُمارَس عليها. فحين تُترك فئة تحت القهر والإذلال، ويتعوّد المجتمع مشهد اضطهادها، يُربَّى الناس تدريجيًا على الخوف وقبول الظلم، ويصبح استضعاف البعض وسيلةً لترويض وتدجين الجميع.

4. تصوير الاعتراض على السلطة تهديدًا للدين والأمن

قال فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]. هكذا يُقدَّم المعارض بوصفه خطرًا على الدين والنظام العام، لا بوصفه صاحب رأي قد يكشف خللًا أو يطالب بإصلاح. وبذلك يتحوّل الخوف على المجتمع إلى ذريعة لتخويف المجتمع نفسه من كل تغيير.

5. احتكار الحقيقة وادّعاء امتلاك الرشد

قال فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]. لا يكتفي المستبد بفرض قراره، بل يريد أن يحتكر تعريف الصواب والخطأ، ويُقنع الناس بأن رؤيته هي الرشد، وأن مخالفتها انحراف. وهكذا تُختزل مصلحة الدولة في رأي الحاكم، ويُصبح النقد خروجًا على الحقيقة التي يدّعي امتلاكها.

6. تسخير وسائل التأثير العام لتضليل الناس

حين أراد فرعون مواجهة موسى عليه السلام، لم يكتفِ بالقوة، بل استدعى السحرة وحدّد يومًا يجتمع فيه الناس، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ۝ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: 111-112]، وقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: 59]. كان المقصود أن تتحوّل المواجهة إلى مشهد عام يُؤثّر في الناس ويُوجّه أحكامهم. وفي هذا ما يذكّر بخطورة توظيف الدعاية وصناعة المشاهد الإعلامية لتوجيه الرأي العام، بحيث تتقدّم الصورة على الحقيقة، ويُراد للناس أن يروا ما تريد السلطة لهم أن يروه.

7. احتكار سلطة العقاب وترهيب المخالفين( السلطة القضائية)

حين آمن السحرة بموسى، قال فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، ثم هدّدهم: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: 123-124]. تكشف الآيات حاكمًا يرى أن الإيمان نفسه يحتاج إلى إذنه، وأن مخالفة إرادته تستوجب العقاب. فحين تتحوّل العقوبة إلى وسيلة لترهيب المخالفين، لا تعود العدالة غايتها حماية الحقوق، بل يصبح الخوف أداة لحماية السلطة.

8. تحويل مقدّرات الدولة إلى مصدر للهيبة الشخصية

قال فرعون: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]. يستحضر فرعون ملك مصر والأنهار ليبرهن على أحقيته بالطاعة. وهنا تتجلّى إحدى صور الاستبداد: أن تُنسب مقدّرات البلاد إلى الحاكم، وكأنها ملكه الخاص، وأن تتحوّل موارد الدولة وإنجازاتها إلى وسيلة لتكريس هيبته، لا إلى أمانة لخدمة الناس.

9. تهيئة المجتمع للاستبداد: الاستخفاف بالعقول والانبهار بالقشور

قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]. لم يكن خضوع قوم فرعون نتيجة القوة وحدها فقد نجح أيضًا في الاستخفاف بعقولهم والتأثير في أحكامهم، حتى أطاعوه. فالاستبداد لا يقوم على إرادة الحاكم وحده، بل يستفيد من قابلية المجتمع للتضليل، ومن تعطيل التفكير النقدي، ومن تقديم الانفعال والمظهر على التبصّر في الجوهر. ويتصل بذلك مشهد قارون، حين خرج على قومه في زينته، فقال الذين يريدون الحياة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]. فالانبهار بالثروة والمظاهر وعدم السؤال عن مصدرها، وعن عدالتها، وعن حقيقتها يدل على شعب تافه يقيس النجاح بما يلمع لا بما ينفع.

ويبقى السؤال:

إذا كان القرآن قد كشف هذه الملامح في حكم فرعون، فإلى أي مدى نجد شبهًا بينها وبين أنظمة حكم عرفها عصرنا؟ وكم من نظام يفرّق بين الناس، ويستضعف فئة منهم، ويحتكر تعريف الحقيقة، ويخيف المجتمع من التغيير، ويوظّف الإعلام والمظاهر لتوجيه العقول، ثم يطلب الطاعة باسم الرشد والاستقرار؟

المصدر: فيسبوك