ليس كلّ ظلمٍ يقع على الإنسان يأتيه من غيره؛ فثمّة ظلمٌ يمارسه المرء على نفسه حين يبالغ في استرضاء الآخرين، ويتنازل عن كرامته طلبًا لمودّتهم، أو يظلّ يطرق أبوابًا لا تُفتح له، كأنّ قيمته تتحدّد بمقدار ما يناله من قبولهم.
وقد نُسب إلى الإمام الشافعيّ قوله: «أظلم الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة من لا ينفعه».
ولعلّ جوهر هذه الحكمة يكمن في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان ميزانه الداخلي، فيمنح الآخرين سلطةً على تقدير ذاته، ويجعل رضاهم غايةً يضحّي في سبيلها براحة قلبه واعتزازه بنفسه.
والقرآن الكريم يذكّر الإنسان بأصل كرامته، فيقول تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
فالكرامة ليست امتيازًا يمنحه الآخرون لمن يشاؤون، ولا قيمةً تزداد بالمديح وتنقص بالإعراض.
إنّها تكريمٌ إلهيّ يقتضي من الإنسان ألّا يبتذل نفسه في سبيل استرضاء أحد، وألّا يجعل حاجته إلى المحبّة مبرّرًا لقبول ما ينتقص من قدره.
وليس التواضع مذمومًا، بل هو من مكارم الأخلاق.
إنّما الفارق كبير بين تواضعٍ يصدر عن نفسٍ واثقة، ومذلّةٍ تدفع صاحبها إلى التنازل عن حقّه في الاحترام.
كما أنّ الإحسان إلى الناس فضيلة، لكنّه لا يعني أن نستنزف أنفسنا في علاقاتٍ لا تعرف التوازن، أو أن نحوّل العطاء إلى وسيلةٍ لاستجداء القبول.
وقد وضع القرآن ميزانًا دقيقًا في التعامل مع الآخرين، فقال سبحانه:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
فعلوّ النفس لا يعني التعالي على الناس، بل ألّا ينهار الإنسان أمام إعراضهم، وألّا يفقد اتزانه حين لا يجد منهم ما كان يرجوه. يستطيع أن يحبّ دون أن يتعلّق بما لا يملك، وأن يُحسن دون أن ينتظر المقابل، وأن يحفظ الودّ دون أن يتخلّى عن كرامته.
ومن الحكمة أن ندرك أنّ المحبّة لا تُنتزع بالإلحاح، ولا تُصنع بكثرة التضحيات، وأنّ بعض المسافات ليست قطيعةً ولا كراهية، بل اعترافٌ هادئ بأنّ لكلّ علاقةٍ حدودًا، وأنّ حفظ النفس من الاستنزاف لا يناقض صفاء القلب.
فليس المطلوب أن نكفّ عن محبّة الناس، بل ألّا نجعل محبّتهم شرطًا لمحبّتنا لأنفسنا. وليس المطلوب أن نقابل الجفاء بالجفاء، بل أن نحسن دون أن نُهين أنفسنا، وأن نغفر دون أن نسمح بتكرار الأذى، وأن نبتعد حين يصبح البقاء انتقاصًا من كرامتنا.
فمن عرف قدر نفسه لم يحتج إلى الترفّع على أحد، ومن استمدّ قيمته من إيمانه ومبادئه لم يعد أسيرًا لرضا الناس أو سخطهم.
وتلك إحدى علامات النضج: أن يبقى القلب رحيمًا، والنفس متواضعة، واليد ممدودة بالخير،
من غير أن يكون شيءٌ من ذلك على حساب الكرامة التي ائتمن الله الإنسان عليها.