جمعة مباركة
ليست كلّ فتنةٍ فتنةَ مال، ولا كلّ امتحانٍ امتحانَ حرمان.
فثمّة فتنةٌ تأتي في صورة نعمة: أن يمتلك الإنسان العلم أو القوّة أو السلطة، وأن يصبح قادرًا على التأثير في حياة الآخرين.
فالإنسان لا يُختبر فقط بما حُرم منه، بل أيضًا بما أُعطي. وحين يمتلك أسباب القوّة، يصبح السؤال: كيف سيوظّفها؟ وهل ستبقى خاضعةً للحقّ والعدل، أم ستقوده إلى الاستعلاء؟
في سورة الكهف، تأخذنا قصة ذي القرنين إلى هذا المعنى، إذ يقول تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: 84-85].
لقد آتاه الله أسباب التمكين، فلم ينسب القرآن إليه امتلاكها استقلالًا عن فضل الله.
فالتمكين عطاءٌ إلهي، لكنّ العبرة ليست فيما امتلكه فحسب، بل في كيفية استعماله لما امتلك.
في رحلته الأولى، تظهر القوّة في القدرة على اتخاذ القرار. فقد وجد قومًا، وخُيّر بين تعذيب الظالم واتخاذ الحُسنى، فأعلن معيارًا يميّز بين الظلم والإيمان والعمل الصالح.
وهكذا، لم يجعل امتلاكه السلطة مبرّرًا للبطش، بل ربط استعمالها بالعدل.
وفي رحلته الثانية، يلتقي قومًا يعيشون في ظروف مختلفة. ولا يفصّل القرآن طبيعة حياتهم أو كيفية تعامله معهم، لكنّ المشهد يتيح لنا التأمّل في أنّ اختلاف أحوال الناس لا ينبغي أن يكون سببًا للاستعلاء عليهم أو لفرض نموذجٍ واحد على الجميع.
أمّا في رحلته الثالثة، فتبلغ القصة ذروتها. إذ يجد قومًا يعانون من أذى يأجوج ومأجوج، فيطلبون منه أن يجعل بينهم وبينهم سدًّا، ويعرضون عليه مالًا مقابل ذلك. لكنّه يقول:
﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95].
لا يجعل المال محور استجابته، بل يوظّف أسباب قوّته لحماية الناس، ويشركهم في العمل.
وهنا تتحوّل القوّة من امتيازٍ شخصي إلى مسؤولية، ومن قدرةٍ على الفعل إلى فعلٍ يرفع الأذى عن الآخرين.
لكنّ أعمق ما في القصة يأتي بعد الإنجاز، حين يقول ذو القرنين:﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: 98].
بعد كلّ ما أظهره من قدرةٍ وتخطيطٍ وإنجاز، لا ينسب الفضل إلى نفسه وحدها، بل يردّه إلى رحمة الله، ويقرّ بأنّ ما بناه لن يبقى إلى الأبد.
وهنا تلتقي القوّة بالرحمة، ويكتمل معنى التمكين.
فالعلم، حين ينفصل عن الرحمة، قد يصبح وسيلةً للإفساد بدل الإصلاح،
والقوّة حين تنفصل عن العدل قد تتحوّل إلى بطش،
والسلطة حين تغيب عنها المسؤولية قد تصبح عبئًا على الناس بدل أن تكون وسيلةً لخدمتهم.
ليست المشكلة في امتلاك العلم أو القوّة، بل في غياب القيم التي تضبط استعمالهما.
فالرحمة ليست ضعفًا، بل وعيٌ بكرامة الآخرين، وإدراكٌ لمسؤوليتنا تجاههم، وقدرةٌ على توظيف ما نملك في حمايتهم وإقامة العدل بينهم.
ولعلّ هذا هو أحد أعمق دروس قصة ذي القرنين: أن نمتلك من القوّة ما يمكّننا من الإنجاز، ومن الرحمة ما يوجّه إنجازنا نحو الخير، ومن التواضع ما يجعلنا ندرك أنّ ما بين أيدينا أمانةٌ وفضلٌ من الله.
ونختم، كما ختم ذو القرنين، بكلماتٍ تختصر معنى التمكين حين يخضع لميزان الرحمة:﴿هَٰذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾.