والله، لم أفهم يومًا لماذا نؤذي بعضنا بعضًا، وكأنّ خزائن الله محدودة، وكأنّ ما يناله غيرنا من خيرٍ ينتقص من أرزاقنا، أو أنّ نجاح الآخرين يُغلق أبواب النجاح في وجوهنا!

ألا يعلم الإنسان أنّ الله واسع العطاء، وأنّ رزق غيره لا يحول دون رزقه، وأنّ سعادة الآخرين لا تعني شقاءه؟
يقول الله تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21]
ويقول سبحانه:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]

لماذا لا يفكّر المرء أنّه لا يستطيع أن يعيش وحيدًا، وأنّه مهما بلغت قوّته، فهو بحاجة إلى غيره؟ لماذا لا يفرح حين يرى إنسانًا مرتاحًا في حياته، ناجحًا في عمله، مطمئنًّا في رزقه، بدلًا من أن يحسده ويحاول إيذاءه أو عرقلة طريقه؟

أليس الأجمل أن يكون وجودنا في حياة الآخرين مصدر راحةٍ لهم، وأن نكون سببًا في فرحتهم، لا سببًا في حزنهم؟ أليس الأجمل أن نساعدهم على النهوض بدلًا من أن نحاول إسقاطهم؟

يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43]
ويقول سبحانه في وصف أصحاب النفوس الكريمة:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]

الحياة ليست معركةً على ما في أيدي الناس، والرزق ليس موردًا يتنازعه البشر، والنجاح ليس مقعدًا واحدًا لا يتّسع إلا لشخصٍ واحد. فما أعطاه الله لغيرك لا ينتقص من قدرتك على نيل الخير، وما فتحه من أبواب الخير أمام الآخرين لا يمنعه من أن يفتح لك أبوابًا أخرى كثيرة.

خزائن الله لا تنفد، لكنّ القلوب قد تضيق حين تنسى سعة فضل الله.
فلماذا نحسد، ولماذا نحقد، ولماذا نؤذي، ما دمنا نستطيع أن نعيش بمحبةٍ وتكافل، وأن نكون لبعضنا عونًا وسندًا؟
فلنفرح لفرح الآخرين، ولنبارك لهم ما آتاهم الله من فضله، متأمّلين قوله تعالى:
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]
ففضل الله ورحمته هما الأجدر بأن نفرح بهما، لا أن ننشغل بما في أيدي الناس، وكأنّ خيرهم ينتقص من خيرنا.
ويقول سبحانه في وصف أصحاب القلوب السليمة:
﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9]
أي إنّ نفوسهم لا تضيق بما أُعطيه غيرهم، ولا تحمل ضغينةً تجاه من نال خيرًا.

فما أجمل قلبًا يفرح لخير الآخرين، ويوقن أنّ خزائن الله لا تنفد، وأنّ سعادة إنسان ليست سببًا لشقاء آخر.