يقول سبحانه:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤].

إنّ ضعف الإنسان ليس عيبًا في تكوينه، بل حقيقةٌ ينبغي أن تعلّمه التواضع، وتردعه عن الظلم، وتجعله أكثر رحمةً بمن حوله. لكنّ العجيب أنّه، رغم هشاشته، قد يغفل عن ضعفه، بل قد يسيء استعمال جوارحه التي تشهد له بحقيقته.

يقول الإمام علي عليه السلام

«اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ يَنْظُرُ بِشَحْمٍ، وَيَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ، وَيَسْمَعُ بِعَظْمٍ، وَيَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ».

ينظر بشحم، فلا يغضّ بصره حيث يجب، وكأنّ امتلاكه نعمة النظر يمنحه الحقّ في إطلاقه بلا ضوابط.

ويتكلّم بلحم، ثم يجعل لسانه سلاحًا لأعراض الناس، ويأكل لحم أخيه ميتًا، كما وصف القرآن الغيبة في قوله تعالى:

﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].

ويسمع بعظم، ثم يغلق أذنيه عن الحقّ، ويفتحهما للباطل، وقد يسمع ما يوجب الإنصاف فيختار التجاهل، أو ينقل ما يسمعه فيزرع الفتنة بين الناس.

ويتنفّس من خرم، ومع ذلك قد يغفل عن أنّ نَفَسًا واحدًا ليس مضمونًا، وأنّ الحياة التي يتقلّب في نعمها ليست ملكًا أبديًّا له.

ثمّ يأتي الوصف الثاني عن الإمام الذي يختصر هشاشة الإنسان:

«مِسْكِينٌ ابْنُ آدَمَ: مَكْتُومُ الْأَجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ، مَحْفُوظُ الْعَمَلِ، تُؤْلِمُهُ الْبَقَّةُ، وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ، وَتُعْرِقُهُ الْغَرْقَةُ».

مكتوم الأجل، لا يعرف متى تنتهي حياته، ومع ذلك يؤجّل التوبة، ويؤخّر ردّ الحقوق، ويقطع رحمه، ويظلم الناس كأنّ أمامه عمرًا طويلًا ليصلح ما أفسد.

مكنون العلل، لا يعلم ما يخبّئه جسده من أمراض، وقد يهدّ قوّته فيروسٌ لا تراه العين المجرّدة، فيكتشف أنّ ما كان يظنّه منيعًا ليس كذلك.

تؤلمه البقّة، تلك الحشرة الصغيرة التي قد تحرمه الراحة؛ فكيف يتكبّر على إنسان، وقد تعجزه حشرة؟

وتقتله الشرقة، فيخذله نَفَسٌ أو لقمة، في لحظة لا يملك فيها دفع ما أصابه.

وتعرقه الغرقة، فيغلبه الماء، وهو الذي قد يظنّ أنّه قادر على مواجهة الطبيعة وتسخيرها.

إنّ المشكلة ليست في ضعف الإنسان، بل في نسيانه هذا الضعف حين يقوى، وفي غروره حين يقدر، وفي قسوته حين يستطيع أن يرحم.

فما أحوجنا إلى أن نتذكّر ضعفنا حين نقوى، وفناءنا حين نتكبّر، ومسؤوليتنا حين نتصرف، وأن ندرك أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بقدرته على إخضاع الآخرين، بل بقدرته على ضبط نفسه، وإقامة العدل، وحفظ كرامة من حوله.