ورد عن رسول الله ﷺ: «الناس من شجر شتّى، وأنا وعلي من شجرة واحدة».
ما أبلغ أن يُشبَّه الإنسان بالشجرة!
فالشجرة ليست مجرد ساقٍ وأغصان؛ لها أصلٌ وجذورٌ تتغذى منها، وفروعٌ تمتد، ثم يكون لها ثمر يكشف شيئًا من طبيعتها. وكذلك الإنسان؛ وراء كلماته ومواقفه وسلوكه جذورٌ من التربية والتجربة والقيم والتكوين، ثم يظهر أثرها فيما يخرجه إلى الحياة.
والناس فعلًا شجرٌ شتّى؛ تختلف أشكالهم وطباعهم وأصولهم وتجاربهم، كما تختلف الأشجار في أنواعها وثمارها. فمنها ما يثمر طيبًا نافعًا، ومنها ما يثمر المرّ كالحنظل، ومنها ما لا يُنتفع بثمره، ومنها ما يؤذي بشوكه.
ولذلك ليس كل ما ينبت في الأرض سواء، وليس كل شجرٍ يُرجى منه الثمر نفسه.
ومن هنا يميّز القرآن بين الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة:
﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
وفي مقابلها:
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾.
وهنا أفهم شيئًا من الحكمة في قوله تعالى:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
فليست كل مخاطبة تُثمر.
الشجرة لا تُخرج إلا ما تسمح به طبيعتها. فإذا كانت لا تثمر إلا المرارة، أو لا تعطي إلا الشوك، فلن تتحول بكثرة السقي إلى شجرة أخرى.
يمكنك أن تسقيها، وتعتني بها، وتبذل لها من وقتك وطاقتك، لكن الثمر في النهاية يخرج من طبيعة الشجرة نفسها.
وهنا السؤال: لماذا تستنزف شجرتك في محاولة تغيير شجرة لا تريد أن تتغير؟
ليس الإعراض عن الجاهلين احتقارًا لهم، ولا عجزًا عن الرد؛ إنما هو أحيانًا حماية لما فيك من ثمر.
فبعض الحوارات تُنضج، وبعضها تستنزف.
وبعض الكلمات تفتح عقلًا، وبعضها لا تزيد صاحبها إلا عنادًا.
ولذلك ليس كل جدال شجاعة، وليس كل صمت ضعفًا.
أحيانًا يكون أبلغ ما تستطيع أن تقوله: سلامًا.
ثم تمضي، لا لأنك لا تملك ما تقول، بل لأنك تعرف أن طاقتك شجرتك، وثمرك يستحق أن تحميه.
ولعل هذا المعنى تختصره الحكمة المشهورة المنسوبة إلى الإمام علي رضي الله عنه:
«ما جادلتُ جاهلًا إلا غلبني، وما جادلتُ عاقلًا إلا غلبته.»
فليست الغلبة هنا غلبة الحجة، وإنما غلبة الاستنزاف؛ فأنت تدخل الحوار طالبًا أن تغيّر فكرة، ثم تخرج وقد استهلكت من هدوئك ووقتك وطاقة روحك.
فليس كل جدالٍ يستحق أن يُخاض، ولا كل شجرةٍ تستحق أن تُسقى من مائك.
وأحيانًا يكون أذكى ما تفعله أن تقول: سلامًا، وتحفظ شجرتك وثمرها.