الحقيقة لا تُرى من زاوية واحدة.
لكي نقترب منها، علينا أن نحاول رؤيتها من جميع زواياها؛ كأننا نبحث عن رؤية 360 درجة. فما نراه من جهة قد يكون صحيحًا، لكنه لا يعني أننا رأينا الصورة كاملة.
ومن هنا تبدأ مشكلة التمذهب والتحزب والتعصب والانغلاق داخل أي انتماء.
فلا مذهب، ولا حزب، ولا جماعة، ولا مدرسة فكرية تستطيع أن تحيط بكل زوايا الحقيقة. قد تمتلك زاوية مهمة منها، وقد تقدم تفسيرًا عميقًا لجانب من جوانبها، لكنها تظل زاوية.
وهذا لا يعني أن علينا أن نتخلى عن انتماءاتنا.
فالانتماء حاجة إنسانية؛ يمنح الإنسان معنى وهوية وشعورًا بالأمان وامتدادًا ثقافيًا وروحيًا واجتماعيًا. ولا مشكلة في أن يكون للإنسان مذهب أو مدرسة فكرية أو موقف يقتنع به.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء من إطار يساعدني على الفهم إلى مرآة لا أرى الحقيقة إلا من خلالها.
فالقرآن لا يدعونا إلى أن نسمع صوت جماعتنا وحدها، بل يمدح من ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].
وهنا يكمن جوهر المنهج: استمع أولًا، ثم ميّز، ثم اتبع الأحسن.
ولأن الإنسان قد يرفض الحق لمجرد أنه جاء من جهة لا يحبها، يأتي القرآن بقاعدة أوسع من الانتماء والخصومة:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
أي لا تجعل كراهيتك أو اختلافك مع الآخر يحجب عنك ما عنده من حق.
ثم يضع القرآن حدًا آخر للاندفاع وراء الروايات والانطباعات:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
فالحقيقة لا تحتاج إلى تمذهب.
الحقيقة تحتاج إلى عقل مفتوح، وقلب غير متعصب، وشجاعة تسمح للإنسان أن يسمع ما يخالفه، وأن يفحص الرواية الأخرى، وأن يعترف بما فيها من حق، حتى لو جاءت من خارج جماعته.
ليس الانفتاح أن أصدق كل ما أسمع، وإنما أن أسمح لنفسي أن أسمع قبل أن أحكم.
وليس التجرد أن أتخلى عن قناعاتي، بل أن أضعها أمام السؤال والدليل.
وليس حب الجماعة أن أبرر لها كل شيء، بل أن أحب الحق أكثر منها.
يمكن أن يكون لك انتماء دون أن يكون انتماؤك سجنًا.
ويمكن أن يكون لك مذهب دون أن تجعل مذهبك هو الحقيقة كلها.
ويمكن أن تختلف دون أن تتعصب.
فالانتماء قد يمنحك جذورًا، لكن الحقيقة تحتاج إلى اجنحة.
وكلما اتسعت زوايا النظر، اقتربنا من الحقيقة.
وكلما ضاقت الزاوية، ازداد وهمنا بأننا نملكها كاملة.
لذلك، لا نحتاج إلى إلغاء انتماءاتنا بقدر ما نحتاج إلى التحرر من عبوديتها.
أن ننتمي، نعم.
لكن أن نبحث عن الحقيقة قبل الانتماء، وفوق الانتماء، وأن ننحاز إليها حين تتعارض مع انتمائنا.
فالحقيقة أكبر من أن تسكن في مذهب، أو حزب، أو جماعة، أو شخص.
والباحث عن الحقيقة لا يسأل أولًا: من قال هذا؟
بل يسأل: هل هذا حق؟