«أحسنْ إلى من شئتَ تكن أميرَه، واستغنِ عمّن شئتَ تكن نظيرَه، واحتجْ إلى من شئتَ تكن أسيرَه».
ليست هذه الحكمة مجرد عبارات متجاورة، بل هي قاعدة دقيقة في التعامل مع الناس، وفي حفظ الإنسان لحريته وكرامته. فهي ترسم ثلاث حالات في علاقتنا بالآخر: الإحسان يصنع مكانة، والحاجة قد تصنع تبعية، والاستغناء يحفظ الندية.
أحسن إلى من شئتَ تكن أميرَه
الإحسان بطبيعته يملك طريقًا إلى القلب.
فالإنسان إذا أُحسن إليه، نشأ في نفسه، بصورة تكاد تكون فطرية، شعورٌ بالامتنان والميل والوفاء لمن أحسن إليه. ولذلك فالقيد هنا متحقق بالفطرة؛ ليس لأن المحسن طلبه، ولا لأن من أُحسن إليه اختاره بالضرورة، وإنما لأن الجميل يترك أثره في النفس.
ولهذا قيل: «الإنسان عبد الإحسان».
والقرآن يقرر قيمة الإحسان ويأمر به:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾.ويقول:﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لكن إذا كان الإحسان قادرًا بطبيعته على أن يقيّد القلب، فإن مسؤولية المحسن أن لا يحوّل هذا القيد الفطري إلى قيدٍ مقصود.أحسن، ولكن لا تمنّ.أعطِ، ولكن لا تذكّر الآخر بما أعطيته.ساعد، ولكن لا تجعل مساعدتك سلطةً عليه.
فما أجمل أن يكون إحسانك سببًا في محبة إنسان لك، لا سببًا في شعوره بأنه مملوك لك.ولهذا قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾.
فالمنّة لا تفسد أثر الإحسان فقط، بل قد تقلب معناه كله؛ كالقطران إذا خالط العسل، أفسد حلاوته.
وقد يكون المعروف عظيمًا، لكن كلمةً واحدة من قبيل: «أنا فعلت لك» قادرة على أن تفسد جماله في لحظة.
ولذلك فإن أرقى الإحسان هو أن تُحسن، ثم تترك للآخر حريته.أن تمنحه المعروف، ولا تمنحه معه شعورًا بالدَّين.
أن تقف معه في ضعفه، ثم لا تستعمل ضعفه يومًا ضده.
أن تفعل الخير، ثم تنساه، وكأنك لم تفعل شيئًا.فالإحسان قد يقيد القلب بطبيعته، لكن المحسن النبيل لا يستغل هذا القيد.
واحتجْ إلى من شئتَ تكن أسيرَه
هنا تنتقل الحكمة إلى الجهة المقابلة.
إذا كان الإحسان يقود إلى مكانة في قلب الآخر، فإن الحاجة قد تقود إلى سلطة الآخر عليك.
والحاجة في أصلها ليست عيبًا؛ فالإنسان محتاج بطبيعته، والناس يحتاج بعضهم إلى بعض.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح رزقك أو مصلحتك أو مستقبلك متعلقًا بشخص بعينه.عندها تبدأ التبعية.
قد تحتاج إليه، فتجامله.وقد تخشى أن تغضبه، فتسكت.
وقد تخاف أن تخسره، فتتنازل.وقد تصبح مجبرًا على مراعاة ما لا ينبغي أن يُراعى.وهكذا لا يعود القيد في يد الآخر، بل يصبح في داخلك.
ولهذا قبل أن تطلب حاجتك من الناس، تذكّر من بيده قضاؤها.قال تعالى:﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾.
وقال:﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
ومن أجمل ما قيل في هذا المعنى:«اطلبوا الحاجات بعزّة الأنفس، فإنّ بيد الله قضاءها».وهي عبارة تختصر أدب الحاجة كله.
اطلب حاجتك، نعم.واسعَ إلى رزقك، نعم.واطرق الأبواب، وتعلّم، واعمل، واستعن بالأسباب.لكن لا تطلب وأنت ذليل النفس.
ولا تجعل حاجتك إلى إنسان تنسيك أن الإنسان مجرد سبب، وأن قضاء الحاجة بيد الله.
قد يأتيك رزقك عن طريق شخص، لكن الشخص ليس هو الرازق.
وقد تُفتح لك أبواب بسبب إنسان، لكن مفاتيح الأبواب كلها بيد الله.
لذلك خذ بالأسباب، ولا تجعل السبب ربًّا.
اسعَ في الأرض، لكن لا تجعل قلبك أسيرًا لمن تظن أن رزقك بيده.
فإذا عرف الإنسان أن رزقه بيد الله، استطاع أن يطلب بعزة، وأن يقبل أو يُرفض دون أن تنكسر نفسه.
وإذا رُزقتَ، فاستغنِ
ثم تأتي القاعدة الثالثة:
«استغنِ عمّن شئتَ تكن نظيرَه».
فالاستغناء لا يعني أن ترفض الناس أو تتكبر عليهم، وإنما يعني قبل كل شيء: ألا تطمع فيما في أيديهم.
قال تعالى:﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وقال النبي ﷺ:«وازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس».
فالطمع فيما عند الناس يجعل الإنسان ينظر إلى أيديهم، والاستغناء يجعله ينظر إلى ما عند الله.
ولهذا فإن الاستغناء ليس فضيلة الفقير وحده؛ بل قد يكون أشد ضرورةً لمن يملك سلطةً أو منصبًا.
فصاحب المنصب قد لا يكون أسيرًا لحاجته إلى المال، لكنه قد يصبح أسيرًا لحاجته إلى العلاقات، والمجاملات، والدعوات، والهدايا، والترضية، والمحافظة على شبكة المصالح.
قد يبدأ الأمر بدعوةٍ يقبلها.ثم بهديةٍ يستحي من ردّها.
ثم بمجاملةٍ صغيرة.ثم بردّ جميل.ثم يجد نفسه، من حيث لا يشعر، محكومًا باعتبارات لم تكن لتؤثر في قراره لو بقي مستغنيًا.
وهنا يصبح المنصب الذي يفترض أن يمنحه القدرة على القرار قيدًا على صاحبه.
لأن الحرية في المنصب لا تكون فقط بامتلاك سلطة اتخاذ القرار، بل بالقدرة على اتخاذه من دون أن يكون لأحدٍ فضلٌ شخصيٌّ عليك، أو حاجةٌ في نفسك إليه، أو طمعٌ فيما عنده.
ولهذا قال تعالى:﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾.وقال:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
فالاستغناء يحمي الضمير.
يجعل القاضي أقدر على أن يحكم دون حسابٍ لرضا أحد.
ويجعل المسؤول أقدر على أن يرفض دون خوفٍ من خسارة أحد.
ويجعل صاحب القرار أقدر على أن يقول الحق دون أن يسأل نفسه: ماذا سيقول فلان؟ وماذا سأخسر إذا غضب فلان؟
فالحرية الحقيقية ليست أن تملك سلطةً على الناس، بل أن لا يملك الناس سلطةً على ضميرك.
وهكذا تكتمل الحكمة:
أحسن، لأن الإحسان يصنع مكانةً في القلوب؛ لكن لا تمنّ، حتى لا يتحول إحسانك إلى استعباد.
واطلب حاجتك، لكن اطلبها بعزّة نفس؛ لأن قضاءها بيد الله، والخلق أسباب.
وإذا رُزقت، فاستغنِ؛ ولا تطمع فيما في أيدي الناس، حتى تبقى ندًّا لهم.
وهكذا لا تكون الحكمة مجرد طريقة في التعامل مع الناس، بل منهجًا لحفظ الإنسان لكرامته وحريته ونزاهة قلبه، مهما تغيّرت مواقع القوة بينه وبين الآخرين.

