في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، أصبح الحياء عند بعض الناس مرادفًا للضعف، والانغلاق، والخوف من الحياة، وأصبحت الحرية تُقدَّم أحيانًا وكأنها لا تكتمل إلا بكسر الحدود والتخلي عن كل ما يضبط حضور الإنسان.
وبين هذين التصورين ضاع المعنى الحقيقي للحياء؛ فليس المطلوب أن تختفي المرأة من الحياة حتى تكون حيية، ولا أن تتخلى عن حيائها حتى تكون حرة وقوية. لذلك أعود إلى القرآن لأبحث عن معنى الحياء كما قدّمه هو، لا كما صوّرته لنا بعض التصورات الاجتماعية المتناقضة.
في قصة موسى وفتاتي مدين، يلفتني مشهد صغير يحمل معنى كبيرًا. كانت الفتاتان تسقيان، وحين جاء موسى وجد امرأتين تذودان، فسألهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾، فأجابتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. كانت المرأة هنا في الحياة: تعمل، وتسعى، وتواجه حاجات أسرتها، وتتحدث حين تحتاج إلى الكلام. بل إن خروجها إلى الحياة هو الذي جعلها تلتقي بموسى. ثم، حين عادت إليه، وصفها القرآن بقوله: ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.
لم يكن الحياء غيابًا عن الحياة، وإنما كان “طريقة حضور فيها تحفظ الحدود.”
ومن هنا يمكن أن نفهم الحياء في ملامح الحياة كلها:
في العمل: حضورٌ يحفظ حدود الجسد والخصوصية.
في الكلام: حضورٌ يحفظ حدود العبارة.
في المجتمع: حضورٌ يحفظ حدود العلاقة.
في الاختلاط: حضورٌ يحفظ حدود النظر والتعامل.
في الحب: حضورٌ يحفظ حدود القرب.
في الجمال: حضورٌ يحفظ حدود العرض.
في الحرية: حضورٌ يحفظ حدود الكرامة.
في الظهور: حضورٌ يحفظ حدود الخصوصية.
فالحياء ليس أن تغيب المرأة عن الحياة، بل أن تحضر فيها دون أن تفقد حدودها. وليس ضعفًا يمنعها من أن تعمل أو تتكلم أو تنجح، بل قيمة تحفظ لها جمال حضورها حين تدخل الحياة بكل ما فيها من علاقات ومساحات واختيارات.
ولعل أجمل ما نتعلمه من فتاة مدين أن المرأة لا تحتاج إلى أن تختار بين الحضور والحياء؛ تستطيع أن تكون حاضرةً، فاعلةً، قويةً، وحرةً، وفي الوقت نفسه تمشي في الحياة على استحياء.