من سؤال الملائكة عن الإنسان، إلى محمد ﷺ، ومن الاحتفال بمولده إلى الاقتداء به.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
منذ البداية، كان الإنسان موضع سؤال.
مخلوقٌ سيعيش على الأرض، وسيملك القدرة على الاختيار، وسيكون قادرًا على البناء كما سيكون قادرًا على الفساد، وعلى الرحمة كما سيكون قادرًا على سفك الدماء.
ولهذا سألت الملائكة:﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟
ولكن الله أجاب بجملة تختصر سرّ الإنسان كله:﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كان الله يعلم أن الإنسان ليس فقط ضعفه، ولا فقط شهوته، ولا فقط قدرته على الخطأ والفساد.
كان يعلم أن فيه عقلًا يتعلم، وقلبًا يعرف، وإرادةً تختار، وروحًا تستطيع أن تسمو فوق غرائزها، وأن تتحول من أداة للفساد إلى أداة للعمران.
كان يعلم أن هذا المخلوق الذي يمكن أن يسفك الدماء يستطيع أيضًا أن يحقنها، وأن يظلم يستطيع أن يعدل، وأن يقسو يستطيع أن يرحم، وأن يفسد يستطيع أن يعمر.
وفي هذا الإنسان كانت هناك إمكانات عظيمة لم تكن الملائكة تعلمها.
ومن أجمل ما يمكن أن نتأمله في هذه الآية، ونحن نستقبل ذكرى مولد النبي ﷺ، أن نتذكر أن الله الذي قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أظهر لنا في سيرة محمد ﷺ جانبًا عظيمًا مما يمكن أن يبلغه الإنسان.
جاء محمد ﷺ ليكون رسولًا ونبيًا، لكنه كان أيضًا نموذجًا حيًا للإنسان الذي يستطيع أن يرتقي بأخلاقه وإيمانه حتى يصبح رحمةً للآخرين.
لم يكن القرآن يصف عظمته بالقوة أو السلطان، بل قال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.وقال:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
وهنا تكمن أهمية محمد ﷺ.
فهو ليس شخصيةً تاريخيةً نعود إليها في مناسبة دينية، وإنما نموذجٌ للإنسان الذي أراد الوحي أن يصنعه.
إنسانٌ يعرف ربه فلا يتكبر، ويعرف قيمة نفسه فلا يذل، ويعرف قيمة الآخرين فلا يظلمهم.
إنسانٌ يستطيع أن يكون قويًا دون أن يكون ظالمًا، رحيمًا دون أن يكون ضعيفًا، ثابتًا دون أن يكون قاسيًا، وصاحب حق دون أن يتحول الحق في يده إلى استعلاء.
جاء في مجتمع كانت فيه العصبية معيارًا، والقوة ميزانًا، والنسب مكانةً، فأعاد القرآن ترتيب الإنسان:﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
ولهذا لم تكن رسالة محمد ﷺ مجرد تغيير في بعض العادات أو الأحكام، بل كانت إعادة بناء للإنسان من الداخل.
أخرجته من عبادة الإنسان إلى عبادة الله، ومن العصبية إلى الأخوة، ومن الظلم إلى العدل، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الجهل إلى المعرفة.
ولهذا فإن ذكر محمد ﷺ ليس مجرد ذكر رجلٍ وُلد في مكة، وإنما تذكّرٌ لنموذج إنساني أراده الله أن يكون هدايةً للناس.
ولهذا فإن عيد المولد ليس مناسبةً نحتفل فيها بولادة النبي ﷺ ثم تنتهي المناسبة بانتهاء الاحتفال.
المولد فرصة لأن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر صدقًا:
ماذا بقي من محمد ﷺ فينا؟
هل بقيت رحمته في بيوتنا؟
هل بقي عدله في خصوماتنا؟
هل بقي صدقه في كلامنا؟
هل بقي تواضعه في تعاملنا مع الناس؟
هل بقي عفوه حين نملك القدرة على الانتقام؟
هل بقيت أخلاقه حين نختلف؟
فمحبة النبي ﷺ لا تُقاس فقط بكثرة ما نقول فيه، بل بما تسمح سيرته أن تغيّر فينا.
أن نحتفل به، ثم نؤذي الناس، ونظلمهم، ونأكل حقوقهم، ونحتقر المختلف عنا، هو أن نحول المولد إلى ذكرى منفصلة عن الرسالة.
أما أن نحتفل به ثم نحاول أن نقتدي به، فهنا يصبح للمولد معنى آخر.
محمد ﷺ ليس صورةً نعلّقها، ولا اسمًا نردده، ولا ذكرى نحييها مرةً كل عام. محمد ﷺ منهج.
والاقتداء به ليس أن نعرف سيرته فقط، بل أن نسمح لسيرته أن تغيّر سيرتنا.
أن نتعلم منه كيف نكون أقوياء بلا ظلم، رحماء بلا ضعف، ثابتين بلا قسوة، مختلفين بلا كراهية، وأصحاب حق بلا استعلاء.
فالمولد الحقيقي ليس فقط أن نتذكر يوم وُلد محمد ﷺ، بل أن يولد فينا شيءٌ من أخلاق محمد ﷺ.
أن يولد فينا الصدق حين يكون الكذب أسهل، والرحمة حين تكون القسوة أقرب، والعدل حين تكون المصلحة في الظلم، والعفو حين تكون القدرة على الانتقام بين أيدينا.
عندها نفهم لماذا قال الله:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فصلّى الله وسلم وبارك على محمد، يوم وُلد، ويوم حمل الرسالة، ويوم علّم الإنسان معنى الرحمة، ويوم أتمّ الله به النعمة، ويوم نلقاه ونحن نشهد أننا صدّقناه واتبعناه.
اللهم اجعل مولده ميلادًا لمحمدٍ في أخلاقنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعاتنا، وفي إنسانيتنا.
وكل عامٍ ومحمد ﷺ في قلوبنا، لا ذكرى فحسب، بل سيرةً تُتبع، وأخلاقًا تُعاش، ورسالةً تتجدد فينا.