إذا كان رسول الله ﷺ، الذي اصطفاه الله لحمل كلامه ورسالته، يقول له سبحانه:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾،
فكيف بنا نحن، وما نحمله في الغالب ليس وحيًا، وإنما آراء واجتهادات تحتمل الخطأ والصواب؟
كأن الآية تقول لنا إن الحقيقة، مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى طريق تصل به إلى الإنسان.
وهي وإن كانت تخاطب العقل، فإن باب العقل هو القلب؛ ولذلك أمر الله موسى وهارون، وهما ذاهبان إلى فرعون الذي ادعى الالوهية ، أن يقولا له:﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.
وقال سبحانه:﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
ويُروى أن الحسن والحسين رضي الله عنهما رأيا رجلًا يتوضأ على غير الوجه الصحيح، فأرادا أن يعلّماه دون أن يحرجاه. فتوضآ أمامه، وتظاهرا بأنهما يختلفان في أيهما أحسن وضوءًا، حتى أدرك الرجل خطأه بنفسه، وقال إن كليهما أحسن وضوءًا منه.
لم يقولا له: أنت مخطئ.ولم يحوّلا التصحيح إلى مواجهة.
بل جعلاه يرى الحقيقة دون أن يشعر أنه يُهزم.
وهنا تكمن المسألة.
كم من فكرة عظيمة رُفضت لا لضعفها، وإنما لسوء تقديمها. حتى الدواء الذي فيه الشفاء قد يحتاج إلى أن نُحسّن طعمه حتى يقبله المريض.
ثم إن الحق ليس لنا فضل في وجوده أصلًا.
الحق موجود قبلنا وخارجنا، ولا يصبح حقًا لأننا عرفناه، ولا يزداد قوة لأننا دافعنا عنه.
فضلنا ليس في امتلاك الحقيقة، وإنما في كيف نحملها، وكيف نقدمها، وكيف نجعل الطريق إليها أقرب وأرحم.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه».
ولعل هذا المعنى يختصره القول الفرنسي الشهير المنسوب إلى بوفون:
Le style, c’est l’homme.
الأسلوب هو الإنسان.
فقد يكشف علمك ما تعرف، لكن أسلوبك يكشف من أنت.
والحقيقة لا تحتاج إلى قسوة كي تكون قوية، ولا إلى استعلاء كي تكون مقنعة.
يكفي أن نحملها كما ينبغي أن تُحمل:
بعقلٍ يعرف الحق، وقلبٍ يعرف كيف يوصله.