إذا كان العقل هو الذي يفكّر، فإن اللغة هي إحدى الأدوات التي يفكّر العقل من خلالها. فنحن لا نستخدم الكلمات فقط للتعبير عن أفكار اكتملت في داخلنا، بل تساعد الكلمات نفسها في تشكيل المفاهيم التي نفهم بها العالم ونحكم عليه؛ ولذلك فإن تغيير معنى الكلمة قد يغيّر طريقة رؤيتنا للشيء نفسه.
ادرك العدو خطورة هذه المساحة، فحاول أحيانًا أن يبدأ معركته من الاسم قبل الفعل، ومن المصطلح قبل الموقف. فلا يقول «فلسطين المحتلة»، بل «إسرائيل»، ولا يقول «الأرض المحتلة»، بل يتحدث عن «دولة إسرائيل»، ولا يسمي ما يجري احتلالًا وعدوانًا، بل «نزاعًا» أو «عملية» أو «صراعًا».
قد تبدو هذه مجرد اختلافات في التعبير، لكنها ليست بريئة ابدا ،لأن الاسم يحمل تصورًا، والتصور يصنع موقفًا، وتكرار المصطلح قد يجعله مألوفًا، ثم مقبولًا، ثم يبدو مع الزمن وكأنه حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.
ولهذا فإن المعركة على الإنسان ليست فقط معركة على ما يفكر فيه، بل قد تكون معركة على الكلمات التي يفكر من خلالها. فإذا أصبح الاحتلال «نزاعًا»، والعدوان «عملية»، والتنازل «واقعية»، والخضوع «مرونة»، والانحراف «حرية»، فإننا لم نغيّر الكلمات فقط، بل بدأنا نغيّر الحكم على الحقيقة نفسها. فالإنسان قد يرفض الظلم حين يُسمّى ظلمًا، لكنه قد يتردد في رفضه حين يُعاد تعريفه بلغة جديدة. ومن هنا تصبح حماية اللغة جزءًا من حماية الوعي؛ لأن من ينجح في تغيير معنى الأشياء، قد ينجح في تغيير موقف الإنسان منها دون أن يشعر.
غدا نتوقف عند القرآن الكريم لنرى كيف لم يكتفِ بتوجيه السلوك، بل أعاد تعريف كثير من المفاهيم التي شكّلت رؤية الإنسان للكرامة، والقوة، والنجاح، والخسارة، والحرية، والحياة.