﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
القرآن يرسم لنا خارطة طريق للتعامل مع الناس وفي ذلك غايتان: أن نحفظ أنفسنا، وأن نفتح بابًا لتغيير الآخر.
فنحن حين نغيّر أسلوبنا، نغيّر طبيعة العلاقة؛ فتغدو حياتنا أهدأ، وقلوبنا أخفّ، وعلاقاتنا أكثر اتزانًا، وربما تغيّر الآخر من حيث لم نستطع أن نغيّره بالكلام والجدال، مصداقا لقوله ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.
ثلاثة توجيهات، لو أحسنّا فهمها والعمل بها، لتغيّر الكثير في حياتنا وحياة من حولنا:
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾
لأن أحدًا لا يتصف بالكمال، لا تطلب من الناس أن يكونوا كما تريد.حتى أنت، لست كما ينبغي أن تكون، فكيف تطلب من الناس أن يكونوا كاملين؟
خذ منهم ما تيسّر، وتجاوز عن الهفوات، ولا تجعل كل كلمة أو موقف قضية، ولا تحوّل كل اختلاف إلى خصومة.
فبعض ما لا تغيّره المجادلة، لا يغيّره العنف، وما لا يصلحه الرفق واللين، لن يصلحه الغضب.
والغضب في النهاية قد لا يغيّر الآخر، إنما يستنزفك أنت.
فلماذا تُتعب قلبك في أمر لا يثمر؟
تجاوز ما لا تستطيع إصلاحه؛ فالتجاوز أحيانًا عين العقل.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾
الكلام صلة الوصل بين الخلائق، والكلمة قد تبني جسرًا وقد تهدمه.فقل الخير، وادعُ إلى الخير، وتعامل بالمعروف، حتى حين يكون الطرف الآخر أقل لطفًا منك.فالأخلاق لا تُقاس بما يفعله الآخرون معك، بل بما تختار أنت أن تكونه معهم.الأخلاق ليست تبادلًا ولا صفقة، وإنما تعامل.
كن كبائع الورد يعطي الناس من عطره، ولا بد أن يبقى شيء من العطر في يده.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
ولعلها من أعظم النصائح التي يمكن للإنسان أن ينصح بها نفسه:أعرض عن الجاهلين.والجاهل ليس بالضرورة من لا يعلم؛ فقد يكون من يعلم ولا يريد أن يفهم، أو من يجادل لا ليصل إلى الحق، بل ليغلب، أو من يستفزك ليجرّك إلى مستوى لا يشبهك.
لذلك ليس كل كلام يستحق جوابًا، ولا كل إساءة تستحق ردًا، ولا كل معركة تستحق أن تخوضها.
أحيانًا يكون الإعراض حكمة، والصمت قوة؛ لأنك حين تدرك أن الآخر لا يبحث عن الحق، بل عن استفزازك، فإن أفضل ما تفعله هو ألا تمنحه ما يريد.أعرض لا ضعفًا، بل وعيًا.
أعرض لأنك تعرف قيمة وقتك، وسلامك، وكرامتك، وتعرف أن بعض النقاشات لا تنتج حقًا، وإنما تنتج تعبًا.
وهكذا ترسم الآية لك منهجًا كاملًا في التعامل وفي كل ذلك، أنت لا تتعامل مع الناس فقط بحسب ما يستحقون، بل بحسب ما تريد أن تكونه أنت.
وهذه هي أخلاق الإحسان:أن لا تجعل إساءة الآخرين تفسد إحسانك،ولا جهلهم يجرّك إلى الجهل،ولا خصومتهم تسلب منك سلامك.
فالإحسان ليس أن تكون لطيفًا حين يكون الناس لطفاء معك؛ الإحسان أن يبقى الخير فيك حتى حين لا يكون متبادلًا.
ولذلك لم يكن ختام الآية أمرًا آخر، بل ثمرة هذه الأخلاق كلها:﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾