لطالما كان في داخلي نفورٌ فطري من الفساد والظلم. لم أستطع يومًا أن أتعامل مع الظالم وكأن شيئًا لم يكن، ولا أن أضع المجاملة فوق الحق. كنت أحاول أن أحافظ على مسافة تفصلني عن كل من جعل الظلم طريقًا، أو جعل الفساد وسيلة.
ولسنوات كنت أتعامل مع هذا الأمر على أنه مجرد إحساس داخلي، حتى وجدت في كتاب الله ما يشرح هذا الشعور ويضعه في إطاره الصحيح؛ فالمسألة ليست نفورًا شخصيًا، بل موقفٌ أخلاقي من الظلم والباطل.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113]فالركون ليس فقط مشاركة الظالم في ظلمه، بل قد يكون ميلًا إليه، أو قبولًا به، أو اعتيادًا على وجوده حتى يفقد الإنسان حساسيته تجاه الباطل.
وقال سبحانه:﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[المائدة: 2]فالإنسان المؤمن لا يكون عونًا للظلم، ولا غطاءً للفساد، ولا شاهدًا صامتًا حين تُنتهك الحقوق.
وقال رسول الله ﷺ:«من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
فرفض الظلم يبدأ من القلب؛ من عدم التصالح معه، ومن عدم تحويل الخطأ إلى أمر عادي، ومن عدم منح الظالم شعورًا بأن ما يفعله أصبح مقبولًا.
فالقلوب التي لا تنكر الظلم تموت ببطء، والمجتمعات التي تتعايش مع الفساد حتى يصبح طبيعيًا تفقد قدرتها على التمييز بين الحق والباطل.والمجتمع الذي يفقد هذه القدرة لا ينهار فجأة، بل يتآكل من الداخل تدريجيًا حتى يصبح الظلم وجهة نظر، والفساد “شطارة”، والسكوت “حكمة”، فيفقد الناس البوصلة الأخلاقية التي تحفظ تماسكهم. اما عن العاقبة فيقول سبحانه:﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾[الأنفال: 25]
أي أن انتشار الظلم لا يضر الظالم وحده، بل تمتد آثاره إلى المجتمع كله، لأن الظلم إذا ساد لم يبقَ محصورًا في صاحبه.
لذلك، فهمت ان مسافتي عن الظالم والفاسد لم تكن يوما تكبّرًا او قسوة، وانما موقفًا أخلاقيًا حفظ لي احترامي للحق قبل احترامي للأشخاص.
فالإنسان قد يحفظ الأدب مع الجميع، لكنه لا يساوي بين الحق والباطل، ولا بين من يحفظ الأمانة ومن يخونها، ولا بين من يبني ومن يهدم.
فبقاء الضمير حيًّا يبدأ من القدرة على قول: هذا حق، وهذا باطل.