لفتني حديث الأكاديمي القطري نايف بن نهار في أحد البودكاستات الأخيرة. فهو يقدّم قراءة عميقة للثقافة الغربية، ويقارب الأوامر والنواهي القرآنية بوصفها منظومة تُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع، لا مجرد أحكامٍ متفرقة.
ومن الأفكار التي طرحها أن الإنسان لم يُخلق ليكون محايدًا بين الحق والباطل، بل ليكون شاهدًا للحق وساعيًا لإقامة العدل، مستندًا إلى قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
ويرى أن الاعتقاد بوجود منطقةٍ وسطى مستقرة بين الحق والباطل هو في كثير من الأحيان وهم؛ لأن الإنسان، في النهاية، لا يبقى خارج الصراع، بل ينتهي به الأمر إلى الانحياز لأحد الطرفين، قولًا أو فعلًا أو حتى بالصمت.
وفي رأيي ان الحق والباطل لا يلتقيان في منتصف الطريق، وإنما يتزاحمان على قلب الإنسان ووعيه. وإذا لم يتقدّم الحق ليملأ هذا الفراغ، تمدّد الباطل فيه شيئًا فشيئًا، حتى يصبح المألوف هو ما كان يُستنكر، وتتحول الرذيلة من فعلٍ شاذ إلى سلوكٍ اعتيادي، ثم إلى قيمةٍ يُدافَع عنها. وهنا تكمن خطورة التطبيع مع الباطل؛ إذ لا يبدأ بانقلابٍ كبير، بل بخطواتٍ صغيرة من التهاون، حتى يغدو المنكر مألوفًا، ويصبح الاعتراض عليه هو الاستثناء.