في سورة الكهف أربع قصص كبرى، تبدو للوهلة الأولى متباعدة، لكنها في حقيقتها تدور حول الإنسان حين يُمتحن في أعزّ ما يملك:فتنةٌ في الدين، وفتنةٌ في المال، وفتنةٌ في العلم، وفتنةٌ في السلطة.
وسنبدأ بفتنة الدين؛ لأن الإنسان قد يخسر ماله ويبقى هو، وقد يجهل ويبقى قادرًا على التعلّم، وقد يملك السلطة ولا يفقد إنسانيته، لكن حين يُطلب منه أن يختار بين إيمانه وبين سلامته، تظهر حقيقة ما استقر في قلبه.
وفي سورة الكهف صورتان لفتنة الدين:
أصحاب الرقيم: حين يُغلق الغار على الجسد.
وأصحاب الكهف: حين يُغلق المجتمع على الروح.
في الأولى تنقطع الأسباب من الخارج، فلا يبقى للإنسان إلا ما بينه وبين الله.
وفي الثانية تضيق الأرض بالإنسان بسبب إيمانه، فيصبح عليه أن يختار: أيبقى مع قومه بثمن التنازل عن إيمانه، أم يخرج بحثًا عن مكان يستطيع فيه أن يحفظ روحه؟
ولهذا نبدأ بأصحاب الرقيم.
قال تعالى:﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
وقد اختلف المفسرون في أصحاب الرقيم: فقيل إنهم أصحاب الكهف أنفسهم، وقيل غير ذلك. ومن الأقوال المروية أن أصحاب الرقيم هم الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، وهي القصة الثابتة في الحديث الصحيح.
وسنسير هنا مع هذا القول، لا باعتباره أمرًا مقطوعًا به، وإنما باعتباره مدخلًا إلى معنى عميق من معاني فتنة الدين.
حين يُغلق الغار على الجسد
ثلاثة رجال خرجوا في سفر.لم يكونوا يعلمون أن تلك الرحلة ستقودهم إلى امتحان لن يخرجوا منه كما دخلوا.
أدركهم الليل، فبحثوا عن مكان يأوون إليه، حتى وجدوا غارًا في الجبل.
دخلوا الغار واحتموا من الليل داخله.وكان كل شيء هادئًا.
إلى أن تدحرجت صخرة عظيمة من الجبل، فسقطت على باب الغار وسدت عليهم المخرج.
حاولوا دفعها.لم تتحرك.أعادوا المحاولة.لا شيء.
كانوا ثلاثة رجال داخل غار، وخارج الغار عالم كامل لا يعلم أين هم.انقطعت الأسباب.
وهنا، حين تسقط كل الوسائل، يظهر الإنسان على حقيقته.
قال بعضهم لبعض:لن ينقذنا من هذه الصخرة إلا أن ندعو الله بصالح أعمالنا.لم يقولوا: نحن صالحون ولذلك نستحق النجاة.ولم يتحدثوا عن إيمانهم بالكلمات.
بل عاد كل واحد منهم إلى موقف في حياته لم يكن أحد يعلم حقيقته إلا الله.
الأول: البر الذي لم يره أحدتذكر الأول برّه بوالديه.
كان له أبوان كبيران، وكان لا يقدم عليهما أحدًا من أهله ولا ماله.
وفي ليلة من الليالي عاد متأخرًا، فوجد والديه نائمين، وكان قدح اللبن في يده.وكان أولاده يتضورون جوعًا.
لكنه لم يرد أن يوقظ أبويه، ولم يرد أن يقدم أبناءه عليهما.فبقي واقفًا عند رأسيهما، والقدح في يده، ينتظر أن يستيقظا.حتى طلع الفجر.ثم قال:
يا رب، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرّج عنا.
فتحركت الصخرة قليلًا.لكنها لم تفتح الطريق.
الثاني: العفة حين تكون الرغبة أقوى
وجاء دور الثاني.تذكر موقفًا لم يره فيه أحد إلا الله.
كان قد أحب امرأة حبًا شديدًا، وتمكن منها في لحظة ضعف، حتى إذا صار قريبًا منها ذكّرته بالله.فتراجع.
كان يستطيع أن يفعل.وكانت الرغبة حاضرة.لكن الله كان حاضرًا أكثر.فتركها رغم قدرته عليها.ثم قال:
يا رب، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرّج عنا.
فتحركت الصخرة أكثر.لكنهم ظلوا في الغار.
الثالث: الأمانة حين يصبح الحق مالًا كثيرًا
ثم جاء دور الثالث.تذكر أمانته.كان قد استأجر أجيرًا، فعمل له ثم ترك أجره.فاستثمر الرجل أجره حتى صار مالًا كثيرًا.وبعد زمن عاد الأجير يطلب حقه.فلم يقل له: هذا أجرك القديم وخذْه وانصرف.بل أعطاه كل ما نتج عن أجره.وقال له:كل ما ترى من مالك.ثم قال:
يا رب، إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، ففرّج عنا.
فتحركت الصخرة.
حتى انفتح الطريق.وخرج الرجال الثلاثة.
لم تفتح الصخرة بقوتهم.ولم ينقذهم أحد من الخارج.
إنما انفتح الطريق حين استُحضرت ثلاثة أعمال صادقة، فعلها أصحابها في لحظات لم يكن يرجون فيها مدحًا من أحد.
ماذا تقول لنا القصة؟
ليست العبرة أن ثلاثة رجال دخلوا غارًا وانطبقت عليهم صخرة.
العبرة أن الإنسان قد يصل إلى لحظة تنقطع فيها كل الوسائل، ولا يبقى له إلا رصيده الحقيقي عند الله.
في تلك اللحظة لا تنفع الصورة التي صنعناها عن أنفسنا.
لا ينفع أن نقول: أنا مؤمن.
ولا أن نقول: أنا صالح.
ولا أن نقول: أنا أحب الله.
الذي يبقى هو ما فعلناه حين لم يكن أحد يرانا.
ولهذا كانت أعمالهم الثلاثة لافتة:
برٌّ في الخفاء، وعفةٌ في الخفاء، وأمانةٌ في الخفاء.
ثلاثة مواقف كان يمكن للإنسان فيها أن يختار نفسه، لكنه اختار الله.
وكأن القصة تقول لنا:
فتنة الدين ليست دائمًا أن يُطلب منك أن تختار بين الإيمان والكفر؛ أحيانًا تكون أن تختار بين الله وهواك، وبين الصدق ومصلحتك، وبين ما يرضي الله وما يريحك.
وقد لا تكون فتنتك غارًا تُغلق صخرته عليك.قد تكون مالًا تستطيع أخذه.أو رغبة تستطيع إشباعها.أو حقًا تستطيع أن تمنعه عن صاحبه.
وهنا يظهر معنى الدين الحقيقي:
ليس ما نقوله حين تكون الحياة سهلة، بل ما نختاره حين يصبح الاختيار مكلفًا.
خرج أصحاب الرقيم من الغار حين انفتح الحجر.