حين وصف القرآن العلاقة الزوجية، لم يقل: ﴿وجعل بينكم حبًّا ورحمة﴾، مع أن الحب هو الكلمة الأكثر تداولًا لوصف علاقة الرجل بالمرأة، وإنما قال:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
ولعل في اختيار المودّة دلالة أعمق من مجرد الحب.
فالحب ميلٌ في القلب، وانجذابٌ إلى الآخر، أما المودّة فهي أن يتحول هذا الميل إلى رغبة في القرب، وحرص على دوام الصلة، واهتمام بالآخر، وحسن معاملة له.
ثم إن العلاقات لا تبدأ كلها بالحب أصلًا؛ فقد تبدأ باقتناع، أو توافق، أو اختيار، أو تقدير، ثم ينمو الحب مع الأيام والعِشرة. ولذلك ربما كان التعبير القرآني أكثر واقعية من اختزال الزواج في «قصة حب».
فالزواج ليس لحظة عاطفية، وإنما علاقة ممتدة، تتغير فيها الأحوال والمشاعر والاحتياجات.
لهذا لم يكتفِ القرآن بالمودّة، بل أضاف إليها الرحمة.
لأن الإنسان لا يبقى دائمًا في أفضل حالاته؛ سيضعف أحدهما يومًا، ويمرض، ويتعب، ويخطئ، ويتغير، وقد يمرّ بمرحلة لا يستطيع فيها أن يمنح الآخر ما اعتاد أن يمنحه.
هنا تظهر الرحمة.
فالرحمة هي أن لا يصبح ضعف الآخر سببًا لسقوط حقه في الحب والكرامة والرعاية؛ وأن لا تقوم العلاقة على حساب دقيق لما يعطيه كل طرف وما يأخذه.
المودّة تقول: أريد قربك وأحرص على صلتي بك.
والرحمة تقول: وحين تضعف، لن أتخلى عنك بسبب ضعفك.
وهكذا يبدو أن القرآن لا يقدم الزواج باعتباره استمرارًا دائمًا لحالة الحب الأولى، بل باعتباره علاقة تحتاج إلى ما هو أبقى من تقلب العاطفة:
مودةٌ تُبقي القرب، ورحمةٌ تحفظ الإنسان حين تعجز به الحياة.
فالحب قد يكون بداية العلاقة،
أما المودّة فبناء العلاقة،
والرحمة صمام أمانها.
ولهذا كانت الآية بليغة في جمعها بينهما:
﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.