غُيّب الإمام موسى الصدر بعد أربعة أشهر فقط من ولادتي.ومع ذلك، أحب هذا الرجل وأحترمه.
ربما لأن بعض الرجال لا تحتاج إلى أن تعاصرهم كي تعرف قيمتهم، ولا إلى أن تسمع صوتهم كي تشعر بحضورهم.
أحبه وأحترمه
أولًا، لأنه جعل الجنوب قضية إنسان قبل أن يكون قضية أرض.
لم يرَ في أهل الجنوب مجرد سكان منطقة حدودية، بل رأى إنسانًا حُرم كثيرًا، وخاف كثيرًا، وانتظر طويلًا أن يشعر أن وطنه يراه ويحميه. اقترب منهم، عاش بينهم، وحمل قضاياهم إلى قلب الدولة والمجتمع.
ثانيًا، لأنه لم يقبل أن يكون الجنوب متروكًا لمصيره.
في زمن كان الاحتلال فيه يهدد الأرض والناس، لم يكن الصدر من أولئك الذين يكتفون بالكلام عن الوطن. كان يريد للجنوب أن يمتلك القدرة على الدفاع عن نفسه، وأن تصبح مقاومة الاحتلال مسؤولية وطنية، لا قدرًا يُترك لأهل الجنوب وحدهم.
ثالثًا، لأنه فهم أن المقاومة ليست مجرد سلاح.
المقاومة عنده تبدأ من الإنسان: من كرامته، ومن حقه في الحياة، ومن حقه في أن يشعر أن أرضه ليست مستباحة وأن وطنه ليس بعيدًا عنه. ولذلك اقترنت مقاومته بمواجهة الحرمان والتهميش وبناء المؤسسات وخدمة الناس.
رابعًا، لأنه كان لبنانيًا في مشروعه، لا طائفيًا في رؤيته.
كان يستطيع أن يتحدث إلى طائفته من دون أن يغلق الباب في وجه الآخرين، وأن يحمل قضية الجنوب من دون أن يحولها إلى قضية فئة دون سائر اللبنانيين. كان يرى لبنان وطنًا واحدًا، وأن قوة أي طائفة لا تكون على حساب قوة الوطن.
خامسًا، لأن غيابه نفسه أصبح جزءًا من حضوره.
في 31 آب 1978 غُيّب الإمام الصدر في ليبيا، ومعه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد غيابه مجرد واقعة في التاريخ.صار سؤالًا.وصار ذاكرة.وصار حضورًا.
وهنا تكمن المفارقة التي تستوقفني دائمًا:
لقد غاب الرجل، لكن الفكرة التي حملها لم تغب.
بل لعل غيابه زكّى حضوره.
فالرجل الذي كان يمكن أن يحدّه زمانه، أصبح بعد غيابه أكبر من زمانه.
والصوت الذي انقطع، بقيت كلماته تتردد.
والجسد الذي اختفى، بقي أثره في الجنوب، وفي ذاكرة الناس، وفي كل من رأى في تلك المرحلة معنىً من معاني الكرامة والمقاومة.
أنا لم أعاصر الإمام الصدر.لم أسمعه يتحدث، ولم أره يمشي في الجنوب، ولم أشهد زمنه.لكني عرفت رجلًا من خلال ما تركه.
وهذا ربما هو الامتحان الأصعب لأي شخصية عامة:
ماذا يبقى منك حين لا تعود موجودًا؟
بعض الناس ينتهي حضورهم بانتهاء وجودهم.
وبعضهم، مثل الإمام الصدر، يبدأ غيابهم الطويل في صناعة حضور لا ينتهي.
ولذلك، حين أقول إنني أحب الإمام موسى الصدر وأحترمه، لا أقولها لأنني عاصرته، بل ربما لأنني لم أعاصره.فقد عرفته من أثره.وعرفت الجنوب من خلال قضيته.وعرفت أن هناك رجالًا لا يحتاج حضورهم إلى أن يكونوا بيننا.
يكفي أن يكون غيابهم قد ترك وراءه ما يستحق أن يبقى.

