قيل:«المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، ونفس تنازعه، وشيطان يغويه.»
وإذا تأملنا هذه الشدائد، وجدنا أنها ليست من طبيعة واحدة، ولا تأتي الإنسان بالطريقة نفسها.
فمنها ما هو عداوة ظاهرة، ومنها ما هو عداوة مستترة، ومنها ما يأتي في صورة شعور، ومنها ما يأتي في صورة إغواء. وبعضها يأتي من خارج الإنسان، وبعضها يسكن داخله.
فالمؤمن يحسده.
حتى المؤمن قد يقع في الحسد؛ لأن الحسد قد ينشأ من المقارنة، والإنسان بطبيعته يقارن نفسه بغيره: في الرزق، والنجاح، والمكانة، والجمال، والقبول.
لكن المقارنة وحدها ليست حسدًا.
قد يرى الإنسان نعمة عند غيره، فيتمنى مثلها لنفسه، دون أن يتمنى زوالها عن صاحبها. وهذا هو الفرق بين الغبطة والحسد.
أما الحسد، فهو أن تضيق النفس بنعمة الآخر، حتى تتمنى زوالها عنه.ولذلك قال تعالى:﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
فليس كل مؤمن يرى نعمة أخيه يصبح حاسدًا، لكن الإنسان حين لا يهذب مقارناته قد تتحول المقارنة إلى حسد.
ثم: منافق يبغضه.
وهنا تختلف العداوة.
المنافق لا يعلن ما في قلبه، بل يخفي البغضاء وراء الكلام الجميل والمظهر الودود.
شره في قلبه، يكيد ويمكر ويتربص، وقد يكون أقرب إليك من عدوك الظاهر.
فالعدو الظاهر تعرف موقفه، أما المنافق فعليك أن تكتشف ما وراء موقفه.
ثم: كافر يقاتله.
وهذه عداوة أكثر وضوحًا.إنه لا يخفي موقفه، ولا يحتاج إلى أقنعة؛ فإذا خاصم قاتل، وإذا عادى أظهر عداوته.
وقد يكون العدو الظاهر، على شدته، أهون في بعض الأحيان من العدو الذي لا تعرفه.
لكن كل هؤلاء ما زالوا خارج الإنسان.
ثم يأتي الرابع:
نفس تنازعه.وهنا تنتقل المعركة من الخارج إلى الداخل.
فالإنسان قد يعرف الحق، ولا يجهله، ثم تنازعه نفسه في اتباعه.
يريد الطاعة، لكن نفسه تريد شيئًا آخر.
يعرف ما ينبغي أن يفعل، لكن الهوى يقول له: ليس الآن.
يعرف الحلال والحرام، ثم تبدأ النفس في التبرير والمساومة.
ولهذا قال تعالى:﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
وهنا تظهر خطورة النفس؛ لأنها ليست عدوًا يأتيك من الخارج فتغلق دونه الباب.
إنها تسكن معك، وتحمل رغباتك، وتعرف نقاط ضعفك، وتستطيع أن تبرر لك ما تريد.
ثم يأتي الخامس:
وشيطان يغويه.الشيطان لا يملك أن يجبر الإنسان على المعصية؛ وإنما يوسوس، ويزيّن، ويدعو.
وقد أخبرنا القرآن بما يقوله الشيطان لأهل النار:﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.
دعوْتُكم،فاستجبتم لي.وهنا تكمن المفارقة:
الشيطان يدعو،لكن النفس تستجيب.هو يزيّن،والنفس ترغب.هو يوسوس،والهوى يفتح له الباب.
ومن هنا نفهم لماذا كانت المعركة مع النفس أعمق من كل عداوة أخرى.
فالعدو الخارجي تستطيع أن تبتعد عنه.
والمنافق تستطيع أن تكشفه.
والعدو الظاهر تستطيع أن تحذر منه.
والحاسد تستطيع أن تتحصن من شره.
أما نفسك،فأنت لا تستطيع أن تهرب منها.هي معك في خلوتك قبل جلوتك،وفي ضعفك قبل قوتك، وتعرف رغباتك أكثر مما يعرفها الآخرون.
ولذلك قيل في المعنى:«أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك.»فالإنسان قد ينتصر على أعدائه جميعًا، ثم تنهزم إرادته أمام شهوة.
وقد يحذر من مكر الناس، ولا يحذر من مكر نفسه.
وقد يعرف وسوسة الشيطان، ولا ينتبه إلى أن الشيطان لا يجد طريقه إلا من خلال باب في النفس.
ولهذا فإن أعظم الانتصارات ليست أن تغلب من يعاديك،
بل أن تغلب نفسك حين تدعوك إلى ما يغضب الله.
فالمعركة الكبرى ليست دائمًا مع من يقف أمامك
بل مع من يسكن بين جنبيك.