يقول صن تزو إن من أسباب قوة العلاقة بين القائد ومن يقودهم أن ينشأ بينهم توافق في الإرادة والقيم أي أن يشعر الناس أن قائدهم لا يقودهم إلى ما يخدمه هو، بل يعبّر عما يؤمنون به هم، عندها لا تكون العلاقة مجرد مصلحة أو خوف، بل تصبح ثقةً وانتماءً لمعنى مشترك.
وهذا ما عرفته تجارب الشعوب المختلفة.
فقد يرتبط الناس بقائد لأنه جسّد استقلال وطنهم، أو حمل قضيتهم، أو عاش القيم التي دعا إليها، أو دفع ثمن مواقفه قبل أن يطلب من الآخرين دفعه.
وعند غيابه يظهر الفرق.
فليس كل غيابٍ سواء، ولا كل اشتياقٍ سواء.
هناك من يغيب، ثم لا يبقى منه إلا ذكرى عابرة، وقد يصبح استحضار اسمه مع الوقت شكليًا.
وهناك من يغيب، فيبقى حاضرًا في المعنى الذي تركه وراءه.
فنحن لا نشتاق دائمًا إلى وجهٍ أو صوتٍ، بل نشتاق أحيانًا إلى المعنى الذي كان ذلك الحضور يوقظه فينا؛
إلى كلمةٍ كانت تعيد ترتيب بوصلتنا،
وإلى موقفٍ كان يمنح القيم التي نؤمن بها صوتًا وصورة.
وفي الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصرالله، يمكن أن نفهم الاشتياق إليه من هذه الزاوية:
ليس فقط اشتياقًا إلى شخصٍ غاب، بل إلى حضورٍ ارتبط عند محبيه بكلمةٍ وموقفٍ وعهدٍ وقضية: قضية الحق، ونصرة المستضعفين، والوقوف إلى جانب من لا يملكون قوةً تحميهم.
فقد كان كلامه عهدًا، ومواقفه وفاءً، وقضيته طريقًا مضى فيه حتى النهاية.
لقد فقدت الأمة رجلًا شريفًا، أمينًا، صادقًا، وفيًّا لكل شعار رفعه؛ رجلًا لا يجود الزمان بأمثاله مرتين.
رجلًا حفظنا، ولن نضيّعه.