ولعل أبلغ ما يدل على مكانة اللغة في بناء الإنسان أن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. فالله هو الذي تولّى تعليم آدم الأسماء، وفي ذلك دلالة عميقة على أن فهم الأشياء وتسميتها ليس أمرًا هامشيًا في بناء الإنسان لأن من يملك تعريف الشيء، يملك إلى حد كبير القدرة على تشكيل الموقف منه.
من هنا اعاد القرآن للإنسان معاني الأشياء، بعدما اختلطت عليه المعايير، فاعاد تعريف الكرامة، والقوة، والنجاح، والخسارة، والغنى، والحرية، والحياة… ليستعيد الإنسان قاموسه الداخلي من التعريفات التي يصنعها الناس إلى المعاني التي يريدها الله.
ولذلك، حين نقرأ القرآن، نكتشف أنه لا يكتفي بإعطاء الإنسان أحكامًا أو توجيهات، بل يعيد ترتيب المفاهيم في داخله؛ فيأخذ الكلمات التي يعرفها الإنسان، ثم ينقلها من المعنى الشائع إلى المعيار الإلهي. وكأن القرآن لا يريد فقط أن يغيّر ما نفعله، بل أن يغيّر أولًا الطريقة التي نفهم بها الأشياء؛ لأن السلوك في كثير من الأحيان ليس إلا نتيجةً للمعنى الذي نحمله.
وعليه أصبحت:
الكرامة: ليست في المال ولا النسب ولا السلطة، وإنما في التقوى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
والتفاضل: لا يكون بالعرق ولا اللون ولا النسب، وإنما بما يحمله الإنسان من تقوى؛ قال رسول الله ﷺ: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى».
والنجاح: ليس في كثرة ما يجمع الإنسان، ولا في المكانة التي يصل إليها، وإنما في فلاح نفسه وتزكيتها:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾.
والخسارة: ليست في أن يفقد الإنسان مالًا أو منصبًا، وإنما في أن يخسر نفسه:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
والقوة: ليست في البطش بالآخرين، وإنما في القدرة على امتلاك النفس؛ قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».
والغنى: ليس بكثرة ما يملك الإنسان، وإنما بغنى النفس؛ قال ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».
والحرية: ليست أن يفعل الإنسان كل ما يشتهي، فقد يتحول الهوى نفسه إلى قيد، بل إلى معبود:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾.
والحياة: ليست مجرد حياة الجسد، فهناك حياة القلب والبصيرة:
﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾.
والعمى: ليس فقدان البصر، فقد يرى الإنسان بعينيه ولا يرى الحقيقة:
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
والعلم: ليس كثرة المعلومات، وإنما العلم الذي يورث صاحبه خشيةً وبصيرة:
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
والعزّة: ليست في إخضاع الآخرين، وإنما في الارتباط بالله والخضوع له:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وهكذا، فإن القرآن لم يغيّر سلوك الإنسان فقط، بل غيّر المعنى الذي يسبق السلوك. أعاد تعريف الكلمات التي يصنع بها الإنسان رؤيته لله و لنفسه وللآخر وللحياة، لأن الإنسان لا يتعامل مع الأشياء كما هي فقط، بل كما يفهمها.