الأسبوع الماضي، مهدت للحديث عن قصص سورة الكهف، وكنت أظن أنني وضعت الخريطة التي سنسير عليها.
لكن بعد قراءة التعليقات، والعودة مرة أخرى إلى كتب التفسير، وجدت أن هناك تعديلين مهمين لا بد من إدخالهما قبل أن نبدأ الإبحار في قصص السورة.
الأول: أنني أريد أن أضيف إلى خريطة الفتن الأربع التي تحدثنا عنها فتنة خامسة، تظهر في قصة إبليس وآدم في الآية الخمسين.
والثاني: أن نتوقف قليلًا عند أصحاب الرقيم، قبل أن نبدأ قصة أصحاب الكهف، لأن فهم المقصود بهم يفتح أمامنا معنى مهمًا في قراءة فتنة الدين.
حين نتأمل سورة الكهف، يمكن أن نقرأ قصصها من خلال خمس فتن كبرى: فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة القوة، وفتنة الاستعلاء.
فتنة الدين في قصة أصحاب الكهف والرقيم.
وفتنة المال في قصة صاحب الجنتين.
وفتنة العلم في رحلة موسى والخضر.
وفتنة القوة والسلطة في قصة ذي القرنين.
ثم تأتي قصة إبليس وآدم في الآية الخمسين، لتضع أمامنا فتنة مختلفة في أصلها وأعمق في أثرها: فتنة الاستعلاء.
قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
الجملة قصيرة، لكن وراءها تاريخ طويل من الشر.
«أنا خير منه».
هنا تبدأ المشكلة.
إبليس لم ينكر وجود الله، ولم يكن جاهلًا بالله، وإنما رأى نفسه أعلى من غيره، وصنع من مادة الخلق معيارًا للقيمة.
ومن هنا يمكن أن نفهم الاستعلاء بوصفه أكثر من مجرد كِبر شخصي.
الاستعلاء هو أن يضع الإنسان نفسه في موقع يعتقد فيه أن له حقًا في أن يتفوق على غيره، أو أن يملك مصيره، أو أن يصنّفه، أو أن يسلبه حقه، لأنه يرى نفسه أفضل منه.
وهذه الفتنة لا تبقى دائمًا داخل النفس.قد تبدأ بجملة: «أنا خير منه».ثم تتحول إلى: «نحن خير منهم».
ثم إلى: «نحن أحق منهم».
ثم إلى: «نحن نملك الحق في أن نحكمهم، أو نطردهم، أو نستعبدهم، أو نمحوهم».
وهنا يتحول الاستعلاء من مرض في القلب إلى نظام في الحياة، ثم إلى مشروع قوة، ثم إلى حرب.
ولذلك أجد أن إدخال قصة إبليس وآدم في خريطة الفتن مهم جدًا لفهم عالمنا.
فكثير من الحروب لا تبدأ في ساحات المعارك، وإنما تبدأ في فكرة عن الآخر.
حين يتحول الآخر من إنسان إلى درجة أدنى.
حين يصبح شعب ما أقل قيمة، أو عرق ما أرقى من غيره، أو أمة ما صاحبة حق طبيعي في السيطرة على غيرها، أو يصبح قتل الإنسان مقبولًا لأنه ينتمي إلى الجهة الخطأ.
ولذلك فإن الاستعلاء يمكن أن يكون أحد الجذور الفكرية التي تغذي الحروب والإمبراطوريات والاستعمار والتطهير العرقي والإبادة.
والتاريخ الحديث مليء بأمثلة قاسية على ذلك؛ من النازية التي بنت تصورًا عن التفوق العرقي وانتهت إلى حرب عالمية وإبادة جماعية، إلى أشكال مختلفة من الاستعمار والهيمنة التي قامت على تصور أن شعوبًا معينة أحق بالسيطرة من شعوب أخرى.
وحتى في حروب اليوم، مهما اختلفت أسبابها السياسية والعسكرية والاقتصادية، يبقى سؤال الاستعلاء حاضرًا:
كيف ينظر القوي إلى الإنسان الذي يقف أمامه؟
هل يراه إنسانًا له حرمة وحق؟أم يراه عقبة؟أم رقمًا؟
أم خطرًا يجب التخلص منه؟
وهنا تصبح قصة إبليس وآدم في سورة الكهف ذات صلة شديدة بعالمنا.
أما التعديل الثاني فهو أصحاب الرقيم.
الأسبوع الماضي، حين تحدثنا عن أصحاب الكهف، لم أتوقف بما يكفي عند كلمة «الرقيم».
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.
وعند الرجوع إلى كتب التفسير، نجد خلافًا قديمًا بين العلماء في تحديد أصحاب الرقيم.
فقيل: إنهم أصحاب الكهف أنفسهم، وإن «الرقيم» وصف آخر لهم.
وقيل: بل هم قوم آخرون.
ورويت رواية تجعل أصحاب الرقيم هم الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانطبقت عليهم صخرة، فتوسل كل واحد منهم إلى الله بعمل صالح فعله خالصًا له، حتى انفرجت الصخرة وخرجوا.
وهذا هو القول الذي سأستأنس به في قراءتنا.
وأقول بوضوح: لا أقدمه باعتباره قولًا مجمعًا عليه، ولا أريد أن أحسم خلافًا تفسيريًا قديمًا.
وإنما اخترته لسبب أعمق.
لأنني أريد أن أقرأ فتنة الدين بوصفها فتنة ممتدة في حياة الإنسان، وليست محصورة في صورة واحدة من صور الاضطهاد.
لو أخذنا أصحاب الكهف وحدهم، فإن صورة الفتنة واضحة:
قوم آمنوا، ثم وجدوا أنفسهم في مواجهة مجتمع وسلطة وواقع لا يحتمل إيمانهم.
هنا يكون الاختبار في الخوف والمواجهة والهجرة والنجاة بالدين.
إنها فتنة ظاهرة.
أما قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، وفق الرواية التي تجعلهم أصحاب الرقيم، فتعطينا صورة مختلفة تمامًا.
لا جيش يطاردهم.
لا حاكم يهددهم.
لا مجتمع يعلن الحرب عليهم.
لا معركة خارجية.
إنهم في غار.
والصخرة أغلقت عليهم الباب.
لكن الامتحان الحقيقي لم يكن الصخرة.
الامتحان كان ما حملوه معهم إلى الغار من أعمالهم.
واحد اختُبر في بر والديه.
وآخر اختُبر أمام شهوته.
وثالث اختُبر في أمانته.
أي أن الدين هنا لا يُختبر فقط عندما يقف الإنسان في وجه العالم، بل يُختبر أيضًا عندما لا يراه العالم أصلًا.
وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة لي.
لأن فتنة الدين ليست دائمًا: هل ستقول الحق أمام الناس؟
أحيانًا تكون: هل ستفعل الحق عندما لا يراك أحد؟
ليست دائمًا: هل ستصمد أمام العدو؟
بل: هل ستصمد أمام نفسك؟
ليست دائمًا في الحرب.
قد تكون في السلم.
وليست دائمًا في الخوف.
قد تكون في الأمان.
وليست دائمًا حين يهددك أحد بالتخلي عن دينك.
قد تكون حين تستطيع أن تخالف دينك وتربح.
ولهذا أجد أن الجمع بين الصورتين، حتى مع إدراكي أن ربط أصحاب الرقيم بأصحاب الغار ليس محل إجماع، يفتح معنى أوسع لفتنة الدين:
أصحاب الكهف: حين يُغلق المجتمع على الروح.
وأصحاب الرقيم: حين يُغلق الغار على الجسد.
في الأولى، الإنسان محاصر بالخارج.
وفي الثانية، الإنسان محاصر بالداخل.
في الأولى يُختبر إيمانه أمام العالم.
وفي الثانية يُختبر إيمانه أمام الله.
في الأولى قد يعرف الناس موقفه.
وفي الثانية لا يعرف موقفه إلا الله.
ولهذا أرى أن هاتين الصورتين معًا تحيطان بفتنة الدين في أزمنة مختلفة وأحوال مختلفة:
الدين قد يُختبر في الحرب، وقد يُختبر في السلم.
في المواجهة، وفي الخلوة.
تحت الخوف، وتحت الأمان.
حين يقف الإنسان أمام العالم، وحين يقف وحده أمام نفسه.
ومن هنا كان اختياري لهذا التفسير.
ليس لأنني أقول: هذا هو التفسير الوحيد.
بل لأنني أقول: هذا التفسير، وإن لم يكن محل إجماع، يمنحنا زاوية أوسع لفهم فتنة الدين، ويجعل قصة أصحاب الرقيم متصلة بسؤال الإنسان في كل زمان:
ماذا يبقى من إيمانك عندما تنقطع عنك كل الأسباب؟
وحين نبدأ قصة أصحاب الرقيم، سنجد أن الصخرة لم تكن هي القصة الحقيقية.
القصة الحقيقية كانت ما بقي معهم حين أُغلق باب الغار. ومن هنا نبدأ.