الصحافي، في الأصل، صلةُ الوصل بين الناس والحقيقة.
نحن لا نرى كل شيء، ولا نكون حاضرين في كل مكان، ولذلك نحتاج إلى من ينقل لنا ما حدث، ويضع أمامنا الوقائع، ويساعدنا على فهم الصورة.

لكن هنا تبدأ مسؤولية الصحافي، وهنا أيضًا يكمن الخطر.
فالصحافي لا يملك فقط القدرة على نقل الحدث، بل يملك قدرة أخطر: أن يختار كيف نراه، وبأي اسم نسمّيه.

يمكنه أن يتلاعب بالمشهد قبل أن يتلاعب بالكلمات.
كيف؟
التلاعب بالمشهد
بأن يختار أي صورة يعرض، وأي صورة يحجب.
بأن يقرر من يظهر في المقدمة، ومن يبقى خارج الكادر.
بأن يبدأ القصة من اللحظة التي تخدم روايته، لا من اللحظة التي بدأت فيها الأحداث.
بأن يعرض فعلًا واحدًا، ويحذف ما سبقه وما تلاه.
بأن يكرر مشهدًا حتى يترسخ في الوعي، ويتجاهل مشهدًا آخر حتى يُنسى.
وبأن يمنح طرفًا وقتًا ومساحةً للكلام، ويترك الطرف الآخر بلا صوت.
وهكذا قد تكون الصورة حقيقية، لكن المشهد الذي تصنعه منها ليس بالضرورة الحقيقة كاملة.

ثم تأتي الخطورة الأكبر: التلاعب بالكلمة.
فالحدث الواحد يمكن أن يُسمّى دفاعًا عن النفس أو عدوانًا.
والغارة يمكن أن تكون عند طرف «ضربةً استباقية»، وعند الآخر «اعتداءً».
وقتل المدنيين قد يصبح «أضرارًا جانبية».
وقتل المعتدي قد يُسمّى «إرهابًا».
والاحتلال «نزاعًا».
والتهجير «إخلاءً».
والحصار «إجراءً أمنيًا».
والجريمة «حادثًا».
والضحية «طرفًا في الصراع».
وهنا لا تعود الكلمة مجرد وصف.الكلمة قد تحمل حكمًا أخلاقيًا كاملًا.

حين تغيّر اسم الفعل، قد تغيّر حكم الناس عليه.
وحين تغيّر ترتيب الأحداث، قد تغيّر فهمهم للسبب والنتيجة.
وحين تحذف السياق، قد تجعل الجريمة تبدو ردًا، والرد يبدو عدوانًا، والضحية تبدو مساوية لمن اعتدى عليها.

ولهذا فإن أخطر إعلام ليس بالضرورة الذي يكذب كذبةً واضحة يمكن اكتشافها، بل الذي يقول جزءًا من الحقيقة، ثم يقودك بهذا الجزء إلى فهم الحقيقة على نحوٍ مغاير.

فالصحافي يملك سلطةً لا تقل خطورة عن سلطة صاحب القرار: سلطة تشكيل الوعي.
يمكنه أن يجعل الناس يتعاطفون مع من يجب أن يُدان، ويشكّون فيمن يستحق التعاطف، ويغضبون من المظلوم، ويعتادون على الظلم حتى يصبح مألوفًا.

ولهذا فالصحافي ليس مطلوبًا منه أن يكون بوقًا لسلطة، ولا لحزب، ولا لجماعة، ولا لرواية جاهزة.
عليه أن يكون بوقًا للحقيقة، وشاهدًا على الحق.
قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾وقال:﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾.

فإذا صار الصحافي بوقًا، نقل للناس ما يُراد لهم أن يسمعوه.أما إذا كان شاهدًا، نقل ما يجب أن يعرفوه.
والفرق بين الاثنين ليس بسيطًا.لأن البوق يردد صوت من ينفخ فيه.
أما الشاهد، فمسؤوليته أن يقول ما رأى، وأن يتحرى ما لم يرَ، وأن يسمي الأشياء بأسمائها، وألا يسمح لقوةٍ أو مصلحةٍ أو انحيازٍ أن تحجب عنه الحق.

وحين تتغيّر أسماء الأشياء في عقول الناس، قد تبقى الحقيقة موجودة أمام أعينهم لكنهم لم يعودوا قادرين على رؤيتها.