هناك مفهوم يبدو غائبًا عن أذهان جمهوريات سايكس ـ بيكو: الأمن القومي. وقد يكون مفهومًا أن يغيب هذا المفهوم عن جمهوريات أنشأها أعداؤها.
لكن في الدول، هناك مفهوم واضح اسمه الأمن القومي؛ وهو الذي تُحدَّد في ضوئه مصالح الدولة العليا، وتُبنى على أساسه سياساتها وتحالفاتها وعلاقاتها الخارجية، وتُحدَّد في ضوئه مصادر التهديد التي تستوجب حماية الدولة ومواطنيها.
ومن هنا، فإن قانون العفو الأخير، ولا سيما في ما يتعلق باللذين لجأوا إلى إسرائيل، يطرح سؤالًا يتجاوز الأشخاص والقضايا الفردية:كيف نعيد إلى الدولة من ثبت تعاونه مع عدوّها، من دون أن نسأل أولًا عن أثر ذلك على أمنها القومي؟
فالتعاون مع عدو الوطن لا يقتصر ضرره بالضرورة على الشخص الذي وقع عليه؛ فقد يتجاوز الضرر الفردي إلى الضرر الوطني، لأن الدولة نفسها تكون قد استُهدفت في أمنها وسيادتها ومصالحها.
فهل يجوز أن نتعامل مع هذا الأمر وكأنه شأن فردي، بينما هو في جوهره متصل بعلاقة المواطن بدولته، وبواجب الولاء لها؟
وهذا ليس تفصيلًا خارجًا عن العقد الاجتماعي اللبناني. فاللبنانيون، في ميثاقهم الوطني وفي اتفاق الطائف، ارتضوا دولةً تحمي سيادتها ومصالحها العليا، لا دولةً تتخلى عن تعريف مصالحها كلما اصطدمت بحسابات سياسية عابرة.
المشكلة إذًا ليست فقط في العفو.المشكلة في أن نفقد، باسم العفو، القدرة على التمييز بين ما يمكن للدولة أن تتسامح فيه، وما يمسّ أمنها القومي.فالدولة التي لا تعرف ما يهدد أمنها، لا تستطيع أن تحمي مواطنيها.
والدولة التي لا تحمي أمنها القومي، كيف يمكن أن تطلب من مواطنيها أن يؤمنوا بها؟
إلى متى سنظل نُساق إلى مذبحنا كالخراف، ثم نكتشف، بعد فوات الأوان، أننا كنا نعيش بلا دولة؟