إلى أهلنا في الجنوب لا تحزنوا، إن الله معكم
أتابع كل يوم أخبار التفجيرات في الجنوب، وأعداد الخسائر، وأشاهد حجم الألم الذي يعيشه أهل الجنوب.
وأشعر بعمق ألمكم، وإن كان الإنسان لا يستطيع أن يحمل عن غيره وجعه.
أعرف أن الكلام لا يعيد بيتًا تهدّم، ولا يردّ عزيزًا فُقد، ولا يمحو الخوف من قلب أم، ولا يعيد لطفلٍ طفولته التي سرقتها الحرب.
لكنني أكتب إليكم اليوم لأقول لكم: لا تحزنوا إن الله معكم.
لقد أنصفكم القرآن حين قال:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
تأملوا هذا الوعد: صلوات من ربهم ورحمة.
ليس الصبر في القرآن مجرد احتمالٍ للألم، بل منزلةٌ يحيطها الله برحمته.
وأنصف القرآن أيضًا الذين أُخرجوا من ديارهم:﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
فالقرآن يعرف معنى أن يُقتلع الإنسان من بيته وأرضه، ويعرف معنى الظلم، ويعرف أيضًا أن وراء المحن سننًا لا تتوقف عند حدود اللحظة.
وأنا أؤمن أن هذا الزمن يشبه المخاض.
والمخاض في القرآن لم يأتِ مقرونًا بالسهولة، بل جاء في أشد لحظاته ألمًا:﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾.ثم جاءها النداء:﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾.وكأن في القصة رسالة لكل إنسان أنهكه المخاض: لا تحزن.
ونحن نعيش زمنًا يشبه مخاضًا تاريخيًا كبيرًا؛ زمنًا تتغير فيه موازين العالم، وتتراجع منظومات قديمة، وتتكوّن ملامح جديدة.وفي مثل هذا المخاض، قد تتكاثر الروايات، وقد تحاول أقلام مأجورة أن تزيف الحقيقة، لكن الحقيقة لا تتغير لأن أحدًا حاول طمسها.
وقد عرف الأنبياء وأتباعهم قبلنا مثل هذه اللحظات.قال تعالى:﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.حتى قال الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟ثم جاء الجواب:﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
وقال سبحانه:﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾.ثم قال:﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
يا أهلنا في الجنوب.
لا تجعلوا حجم الألم يقنعكم أن الحكاية انتهت.
ولا تجعلوا الخراب يقنعكم أن الأرض لا تنهض.
ولا تجعلوا كثرة الأكاذيب تقنعكم أن الحقيقة يمكن أن تُدفن.
فالله يقول:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
ويقول:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ويقول:﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.
ليس بعد العسر فقط، مع العسر يسر.
ولذلك أكتب إليكم اليوم لا لأقول إن الكلمات تستطيع أن تزيل عنكم الألم، بل لأقول إن ألمكم مرئي، وإن وجعكم مسموع، وإنكم لستم وحدكم.
اصبروا يا أهل الجنوب.تمسكوا بأرضكم، وبكرامتكم، وبأملكم.فكم من محنة ظن أصحابها أنها النهاية، فإذا بها كانت بداية فصل جديد.وكم من ليل طال، ثم جاء الفجر.
لا تحزنوا إن الله معكم.وسيأتي يوم، بإذن الله، تنظرون فيه إلى هذا الزمن من بعيد، وتدركون أنكم لم تكونوا تعيشون نهاية الحكاية،بل كنتم تعبرون مخاضًا عسيرًا نحو بداية جديدة.
وحين تُفتح صفحات التاريخ عن هذه المرحلة، لن يُذكر الجنوب فقط بوصفه أرضًا دفعت ثمنًا باهظًا، بل سيُذكر أهله بوصفهم جسرًا عبرت عليه هذه المنطقة من زمنٍ إلى زمن، ونبراسًا أضاء الطريق في عتمة المخاض نحو مرحلة جديدة.