في القرآن سورة كاملة اسمها «النساء».ولا توجد سورة تقابلها اسمها «الرجال».قد يبدو الأمر مجرد تسمية،لكن أسماء السور القرآنية ليست عناوين عبثية.فلماذا اختار القرآن للنساء أن تحمل اسم سورة كاملة؟
ربما لأن المرأة كانت من أكثر من تعرض للظلم في تاريخ الإنسان،فجاء القرآن ليضع قضيتها في قلب الوحي،لا على هامشه.فالقرآن لم يكتفِ بأن يمنحها حقوقًا،بل واجه أصل النظرة التي كانت تستبيح وجودها،حتى بلغ الأمر أن جعل من مشهد قتل الأنثى جريمةً يُسأل عنها يوم القيامة:﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾.
لم يسأل القاتل أولًا،بل سأل الموءودة.وكأن القرآن أراد أن يعيد للمرأة صوتًا سُلب منها،وأن يقول للإنسان:إن التي لم تستطع أن تدافع عن نفسها،سيكون لها يوم يُسأل العالم كله عن الجريمة التي ارتُكبت في حقها.
ثم قدّم القرآن نماذج للمرأة لا تشبه الصورة الهامشية التي اعتادها التاريخ:مريم التي اصطفاها الله وطهّرها،فكانت نموذجًا للإيمان والطهر؛وآسية التي آمنت في بيت فرعون،فكانت نموذجًا للمرأة التي لا تستسلم للطغيان؛وملكة سبأ التي امتلكت عقلًا وقرارًا ورؤية،فكانت نموذجًا للمرأة التي تحسن التفكير واتخاذ القرار؛وأم موسى التي غلب يقينها خوفها على ولدها،فكانت نموذجًا للأم التي تتحول فيها الرحمة إلى قوة وتضحية.
لم تكن هؤلاء نساءً في هامش قصص الرجال،بل كنّ نماذج إنسانية قائمة بذاتها.فكأن القرآن لا يحرر المرأة من الظلم فقط،بل يحرر صورتها أيضًا من الاختزال.
لكن ماذا أراد الله للمرأة أن تكون في المجتمع؟
هنا أصل إلى معنى أراه أعمق من كل الأدوار: الرحمة.
يقول النبي ﷺ عن رحمة الله:«إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة…فجعل منها في الأرض رحمة؛فبها تعطف الوالدة على ولدها…».
لماذا استعان النبي ﷺ بصورة الأم حين أراد أن يقرّب إلينا معنى الرحمة في الأرض؟
لأن المرأة،في فطرتها ،تستقبل الإنسان في أضعف حالاته.تحمله،وترعاه،وتسهر عليه،وتحتمل ضعفه،وتمنحه الأمان قبل أن يعرف معنى الأمان.
هي لا تمنحه الحياة فقط،بل تسهم في صناعة الإنسان الذي سيعيش هذه الحياة.
فالطفل لا يتعلم الرحمة كمفهوم،بل يعيشها أولًا.يتعلمها من يد تمسح عليه،ومن قلب يقلق عليه،ومن امرأة تحتمل ضعفه قبل أن يصبح قادرًا على حمل نفسه.
ولهذا فإن رحمة المرأة ليست مجرد عاطفة خاصة بها،ولا صفة جميلة تضاف إلى صورتها،بل هي طاقة تمتد آثارها إلى المجتمع كله.فالمرأة التي تربي طفلًا رحيمًا قد تكون في الحقيقة تزرع الرحمة في إنسان سيحمل علمًا،أو مالًا،أو سلطة،أو مسؤولية.
ومن دون الرحمة،يتحول العلم إلى أداة تدمير،والمال إلى جشع،والسلطة إلى استبداد،والقانون إلى قسوة،والقوة إلى بطش.
لكن المرأة ظُلِمت من مصدرين:
الأول: حين أُسيء فهم قوامة الرجل.
قال تعالى:﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
القوامة في أصلها مسؤولية،لا سلطة؛وقيام،لا استعلاء؛ورعاية،لا وصاية؛وتكليف،لا امتياز.لكنها حين فُصلت عن هذه المعاني،انتقلت عند البعض من مسؤولية إلى سلطة،ومن رعاية إلى وصاية،ومن تكليف إلى امتياز.فأصبح الرجل يستخدم القوامة ليعلو على المرأة،بدل أن يقوم بمسؤوليته تجاهها.
ولو فُهمت القوامة في سياقها الصحيح،لاستقام معناها عند من حُمّلها.فالرجل الذي أصبح قوّامًا كان في الأصل طفلًا قامت عليه امرأة.ربّته،وحملته،وسهرت عليه،وأحاطته برحمتها حتى أصبح قادرًا على حمل المسؤولية.
**فالقوامة التي خرج صاحبها من رحم الرحمة لا يمكن أن تستقيم إذا انفصلت عنها.**لأن القوة إذا انفصلت عن الرحمة تحولت إلى استعلاء،والقوامة إذا انفصلت عن الرحمة تحولت إلى ظلم.
أما المصدر الثاني للظلم فحصل حين تلقفت منظومة الفساد المرأة من الجهة المقابلة.
لقد أدركت القوى التي تريد تدمير المجتمعات أن المرأة هي بوابة الأسرة،وأن الأسرة هي المكان الأول لصناعة الإنسان،وأن تغيير صورة المرأة يستطيع أن يغير صورة الأجيال.
فلم تعد المواجهة معها بالقمع،بل بالإغراء.
سُلّعت المرأة،واختُزلت في جسد،ورُبطت قيمتها بالشهرة والمال والمظهر،وصُنعت نماذج لتكون مؤثرات وقدوات،لا لأنها الأعلم أو الأعمق أو الأرقى خلقًا،بل لأنها الأكثر قدرة على جذب العيون.
وحين تصبح أسافل النماذج أكثر تأثيرًا من أعلاها، يكون المجتمع قد فقد بوصلته.
وهكذا ظُلمت المرأة مرتين:مرة حين حُوّلت القوامة إلى استعلاء،ومرة حين حُوّل «تحريرها» إلى تسليع.
وبين القوامة التي نزعت منها إنسانيتها،والسوق الذي نزَع منها إنسانيتها،ضاعت الحقيقة.
أما الحقيقة التي بدأ بها القرآن،فهي أن المرأة إنسان مكرّم،وصاحبة عقل وإرادة،وحاملة لرحمة يحتاج إليها المجتمع كله.
فلا مجتمع سويًا بلا امرأة تعرف قيمة الرحمة التي أودعها الله فيها.
فالمرأة لا تصنع طفلًا فقط؛إنها تصنع الإنسان الذي سيصنع المجتمع.
ولهذا ربما كانت «النساء» سورة في القرآن.
لأن قضية المرأة،في النهاية،ليست قضية النساء وحدهن.
إنها قضية الرحمة التي يبدأ بها الإنسان،ويستقيم بها البيت،ويُبنى بها المجتمع.
ثريا الصلح ١٤ آب ٢٠٢٦