يُحكى أن امرأةً في عمورية استغاثت قائلة:«وامعتصماه».
فبلغ صوتها المعتصم، فاستجاب لاستغاثتها، وتحرك لنجدتها.
تستوقفني في هذه الرواية، قبل تفاصيلها، صورةٌ تختصر معنى الوعي:
ألم إنسان واحد لم يكن شأنًا يخصّه وحده.
وكيف لا، وقد قال الله تعالى:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾.
فالوعي لا يجعل الإنسان يرى ألم الآخر فقط بل يجعله معنيًا به.
أما في غزة، فمنذ تشرين الأول 2023، ونحن نرى الألم يتكرر أمام أعيننا: شهداء وجرحى، أطفال، بيوت مهدّمة، نزوح، وتجويع، وأسر تفقد أحباءها.
ثم حين وقف أناسٌ إلى جانب غزة، لم يسلموا هم أيضًا من اللوم والمعايرة، وكأن السؤال لم يعد: كيف نترك المستضعف؟ بل أصبح: كيف نلوم من حاول أن يسانده؟
وهنا أتساءل:
كيف انقلبت المقاييس إلى هذا الحد؟
كيف أصبح الوقوف إلى جانب المظلوم موضعَ مساءلة، بدل أن يكون تركه هو الذي يستدعي السؤال؟
وكيف انتقلنا من زمنٍ كانت فيه صرخة امرأة واحدة كافية لتوقظ شعورًا عامًا بالمسؤولية، إلى زمنٍ تصل فيه صور المأساة إلى العالم كلّه، ثم يُطلب من الإنسان أن يبرر حتى مجرد تعاطفه معها؟
لعل المشكلة ليست في أننا لا نرى.نحن نرى أكثر من أي وقت مضى.
لكن السؤال الأصعب هو: ماذا فعل بنا ما رأيناه؟
فالمسافة بيننا وبين المأساة قصيرة؛ الصورة تصلنا في لحظتها، لكن الخطر أن تصبح المسافة بين الصورة والقلب هي الأطول.
فنكبة القلب ليست أن يرى الألم، بل أن يراه حتى لا يعود يؤلمه.
فأيّ غفلة نعيش، إذا أصبح الإنسان يحتاج إلى أن يبرر لماذا تألم لألم إنسان آخر؟
ثريا الصلح
