تحتلّ الصورة في أيامنا مكانًا كبيرًا من حياتنا.

نعدّلها بالفلاتر، ونحسّنها بالذكاء الاصطناعي، ونُخضع وجوهنا لعمليات التجميل، ونطارد صورةً نريد لها أن تكون أجمل، أصغر، وأكثر كمالًا.

وهنا يستوقفني أمر.
الله، سبحانه، لم يُظهر نفسه للناس في صورة، ولم يجعل معرفتنا به قائمة على هيئةٍ نراها.
بل عرّفنا نفسه بأسمائه وصفاته وآثاره.
«هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ…»
وكأن الله يعلّمنا منذ البداية أن نعرف المعنى قبل الصورة، والحقيقة قبل الهيئة، وما يبقى قبل ما يزول.

ولعلّ من اللافت أن أول انحرافٍ كبير في تاريخ التوحيد ارتبط بالصورة.
اتخذ قوم نوح أصنامًا، ثم رأينا بني إسرائيل، بعد أن فلق الله لهم البحر وأنجاهم من فرعون بأعينهم، يمرّون على قوم عاكفين على أصنامهم، فيقولون لموسى:
﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.
لقد رأوا آيةً تهزّ القلب والعقل: بحرًا ينفلق، وفرعون وجنوده يغرقون، وهم ينجون.
ومع ذلك، أرادوا شيئًا يُرى.
كأن الإنسان، أحيانًا، لا يكتفي بالحقيقة ما لم تتحول إلى صورة.

وهذا هو الغريب في أمرنا اليوم.
نحن نعرف أن الصورة، مهما اعتنينا بها، لها تاريخ صلاحية.
الشباب يزول، والملامح تتغير، والجسد يضعف، والصورة التي تبدو اليوم كاملة قد تصبح بعد سنوات مجرد ذكرى.
ومع ذلك، نبذل جهدًا هائلًا في إصلاح ما هو زائل، بينما يعلّمنا الله أن نطلب ما لا يزول.
نُصلح الوجه وننسى القلب.
نُجمّل الصورة ونترك السيرة.
نحفظ الملامح ونضيّع المعنى.
نريد أن نبدو، أكثر مما نريد أن نكون.

وربما لهذا يذكّرنا القرآن:
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
الباقيات.كأن السؤال الحقيقي ليس: كيف ستبدو؟
بل:ماذا سيبقى منك حين لا تعود الصورة موجودة؟

غريبٌ أمرناالله يدعونا إلى ما يبقى،ونحن نصرّ على ما يزول.