﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.
هذه الآية تفتح سؤالًا عميقًا:
إذا كان الشيطان يوسوس للإنسان، ويزيّن له، ويدعوه إلى الخطأ، فكيف يقول الله إنه لا سلطان له على عباده؟
ربما لأن الإنسان ليس على حالٍ واحدة.
في داخل كل إنسان قابلية للنزول، وقابلية للصعود.
مقامات تتبدّل بحسب ما يغذّي النفس ويقودها.
هناك مقامٌ تنجذب فيه النفس إلى الأرض: إلى الشهوة، والغضب، والحسد، والانتقام، والكِبر، والتعلق، وحب السيطرة. في هذا المقام تصبح الانفعالات أقرب إلى القيادة؛ يغضب الإنسان فيرى غضبه حقًا، ويحقد فيبرر حقده، ويشتهي فيبحث عن مبررات لشهوته.
وهناك مقامٌ آخر ترتفع فيه النفس عن أسر هذه الدوافع: مقام الصبر، والعفو، والرحمة، والتسامح، والبصيرة، والإيثار، وحب الحق والجمال. لا تختفي فيه الغرائز، ولا يصبح الإنسان معصومًا، لكنه لا يعود أسيرًا لها.
وهنا يمكن أن نفهم وسوسة الشيطان بصورة أعمق.
فالشيطان لا يحتاج دائمًا إلى أن يخلق فيك شيئًا جديدًا؛ يكفيه أن ينفخ في الموجود.
ينفخ في غضبك حتى يصير حقدًا.
وفي جرحك حتى يصير رغبة في الانتقام.
وفي خوفك حتى يصير جبنًا.
وفي رغبتك حتى تتحول إلى شهوة تستعبدك.
وفي شعورك بالتفوق حتى يتحول إلى كِبر.
إنه يستثمر اللحظة التي تهبط فيها النفس إلى مقام تستطيع الوسوسة أن تجد فيه منفذًا.
أما حين ترتفع النفس، وتستعيد بصيرتها، وتصبح أقرب إلى الصبر والعفو والرحمة والحق، تضيق منافذ هذه الوسوسة؛ لأن ما يعرضه الشيطان لا يجد الاستجابة نفسها.
ولذلك فالمسألة ليست أن الشيطان لا يتكلم، بل أن كلامه لا يصبح أمرًا.
قد يوسوس لك بالغضب، لكنك لا تغضب.
قد يدفعك إلى الانتقام، فتختار العفو.
قد يذكّرك بالإهانة، فتتذكر أن كرامتك ليست في إيذاء من آذاك.
قد يفتح أمامك باب الشهوة، فتغلقه لأنك ترى أبعد من لحظتها.
وهنا نفهم معنى «ليس لك عليهم سلطان».
فالسلطان شيء، والوسوسة شيء آخر.
وقد جاء المعنى أوضح في قول الشيطان يوم القيامة:
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.
إنه يستطيع أن يدعو، لكنه لا يملك أن يقرر بدلًا عنك.
وهنا تكمن مسؤولية الإنسان.
فالإنسان قد لا يستطيع أن يمنع الخاطر الأول، ولا أن يمنع الغضب من أن يمر بقلبه، ولا أن يمنع الشهوة من أن تطرق بابه، لكنه يستطيع أن يختار: هل أستجيب أم لا؟
ومن هنا نفهم لماذا سمّى الله هؤلاء «عبادي».
فالعبودية لله ليست كلمة تُقال، وإنما مقامٌ تتحرر فيه النفس من أن تكون عبدًا لغضبها أو لشهوتها أو لحقدها أو لكِبرها.
كلما ارتفعت النفس، أصبح سلطان هذه الأشياء عليها أضعف.
وكلما هبطت، أصبحت أكثر قابلية لأن تُقاد بما يثيرها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست دائمًا مع الشيطان خارجنا، بل مع المقام الذي نسمح لأنفسنا أن نستقر فيه.
فالشيطان قد يطرق الباب، لكن ليس كل باب يُفتح له.
وقد يهمس، لكن ليس كل همس يتحول إلى قرار.
وقد ينفخ في النار، لكن الإنسان يستطيع أن يطفئها قبل أن تصبح حريقًا.
